الجمعة, 28 تموز 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 91 تاريخ 15/11/2016 > من ذاكرة الثقافة السوريَّة مدحة عكَّاش: نحسِّن صورتنا لدى العالم بحبِّنا لبلادنا وإخلاصنا لها وتفانينا في سبيلها
من ذاكرة الثقافة السوريَّة مدحة عكَّاش: نحسِّن صورتنا لدى العالم بحبِّنا لبلادنا وإخلاصنا لها وتفانينا في سبيلها

جهينة - أيمن الحسن

أسَّس مجلَّة الثقافة، وكانت الوحيدة في سوريَّة، وقد انتشرت في أنحاء الوطن العربيِّ، وكتب فيها كبار الأدباء.
رعى المواهب الجديدة من الشبَّان السوريِّين والعرب الَّذين أصبحوا كتَّاباً مرموقين الآن. فماذا نلقِّبه: ديوان العرب، أستاذ الأجيال، ذاكرة الوطن، عرَّاب الثقافة السوريَّة بجدارة، أم كما لقَّبه الأستاذ أحمد الخوص في كتابه مدحة عكَّاش: «رائد أمَّة وأمل جيل» الَّذي نعتمده مرجعاً في حديثنا هذا؟ رهافة الأدب ..ألق الثقافة العذب وحضور حميمي جميل
كان الأستاذ مدحة عكَّاش صاحب نظرة سديدة ومنصفة للناس، يعطي كلَّاً منهم ما يستحق، مثلما يؤكِّد الأديب فاضل السباعي في حديث الذكريات.
أستاذ كريم، رحب الصدر كثير العطاء للشعراء والكتَّاب عامَّة حتَّى قبل أن يكون لهم اتحاد.
دؤوب مجدٌّ، يبذل ما في وسعه ليصل الآخرون إلى ما يصبون إليه من طموحات وأمل، كان يعمل بانتظام إذ يحضر إلى المجلَّة في التاسعة والنصف صباحاً، يستقبل ضيوفه وأصدقاءه بوجه بشوش وقلب كريم معطاء.
أسَّس منتديات أدبيَّة، وأقام مهرجانات شعريَّة وقصصيَّة، خصَّ المبدعين من خلالها بجوائز ماليَّة تشجيعيَّة، وبهذه المناسبة أذكر باعتزاز وتقدير كبيرين أنني فزت بجائزة الثقافة لعام 1993، وكانت الجائزة الأولى في حياتي قبل نشري أيَّ مجموعة قصصيَّة.
الثقافة تاريخ وأمانة 
تظنُّه بقامته النحيلة العالية مارداً بين الأرض والسماء، يحمل بيمينه قنديل الثقافة الَّذي مازال متَّقداً، ينير دروب الحاضر والمستقبل لأجيال العروبة المتعاقبة.
ولد في مدينة أبي الفداء «حماة» عام 1923، ورث عن والده الشركسيِّ حبَّه للعلم وتفانيه في العمل، وعن أمِّه الحمويَّة، من عائلة الخطيب، حبَّ الوطن والتضحية في سبيله بالغالي والثمين.
أحبَّ العربيَّة من خلال أساتذة قديرين أكفاء فجرى لسانه ينظم الشعر في مدحها:
لغة أشاد بها الإله وتُرجمت
لأدقِّ إحساس وأعظم شانِ
وامتدَّ ماضيها لحاضرها الَّذي
صان التراث بأشجع الشجعانِ
التحق بالجامعة السوريَّة - كليَّة الحقوق، ثمَّ عمل معلِّماً للُّغة العربيَّة في مدارس دمشق منشداً مع طلَّابه النجباء:
أيُّها النشء الجديدُ
أنت آمال البلادْ
وبك الماضي يعودُ
وعليك الاعتمادْ
إنَّما دنياك جدٌّ
ليس ترضى بالخمولْ
ما ذوى فيها مجدٌّ
لا ولا عاش الكسولْ
وعن سيرة حياته، كان في مقدِّمة المشاركين في الكفاح الوطنيِّ والمناسبات الأدبيَّة على الرغم من صغر سنِّه حيث  رسّخ قيم الوطنيَّة الصافية والتواضع وكذلك العطاء بلا حدود والصداقة الحقيقيَّة، ففي العشرين من عمره أنشد قائلاً: 
لا تقل أمَّتي أضلَّت خطاها
واستكانت للذلِّ والبأساءِ
يشهد الله أنَّنا ما بخلنا
بنفوسٍ كريمةٍ سمحاءِ
عيِّن مديراً لكليَّة دمشق العربيَّة، ثمَّ مدرِّساً في معهد الإعداد الإعلاميِّ.
بين الحداثة والقديم 
في الخمسينيَّات من القرن الفائت كانت الحركة الثقافيَّة في سوريَّة تعيش أزمة بين الأصالة المتوارثة، والتيارات الثقافيَّة الوافدة من الغرب، فكان لا بدَّ من منبر ثقافيٍّ يحمي تراثنا الأصيل، لذا جاءت «الثقافة» السوريَّة على يد صاحبها الأستاذ مدحة عكَّاش – الَّذي شدَّه خليل بن أحمد الفراهيدي إلى الشعر المقفَّى الموزون منذ نعومة أظفاره، فلم تجذبه الظواهر الشعريَّة الجديدة – تلبية ملحَّة لرغبة المحافظين على عراقة اللُّغة وضرورة الدفاع عن التراث ما جعلها تتحوَّل مع مرور الأيام إلى مدرسة ثقافيَّة فكريَّة حملت ريادة الأدب في سورية، فتربَّى في أحضانها الوارفة لفيف من الكتَّاب الَّذين يحتلُّون اليوم صدارة الساحة الأدبيَّة، ليس في سوريَّة فحسب، وإنَّما على امتداد الوطن العربيِّ كلِّه، كما يقول الأديب محمَّد غازي التدمري: «كان القرَّاء العرب يترقَّبون طلَّتها البهيَّة أوَّل الشهر كي ينهلوا من معينها الَّذي لا ينضب، يتزوَّدون من زادها الشهيِّ الطيِّب، وهم يعلمون أنَّ «الثقافة» تصدر بهمَّة رجل واحد، أديب وشاعر هو الأستاذ مدحة عكَّاش». وقد قدَّمت هذه المجلَّة فائدة مزدوجة لقرَّاء الوطن وأدباء المهجر من خلال نشر نتاجاتهم الإبداعيَّة على صفحاتها مع دراسات عن أدبهم الرفيع وحياتهم في بلدان الاغتراب، يقدِّمها باحثون متخصِّصون.
هذه المجلَّة الغراء
يزداد المرء إكباراً لجهاد الأستاذ مدحة عكَّاش حين يطالع تاريخ الصحافة الأدبيَّة السوريَّة، فبعد ثلاثة أشهر على إعلان الوحدة بين مصر وسوريَّة عام 1958 أصدر العدد الأوَّل من مجلَّة (الثقافة)، تحدوه الأماني بتحفيز الشبَّان السوريِّين على الكتابة الأدبيَّة مشجعاً كلَّ صاحب قلم، يرى في نفسه الموهبة لأن يصبح شاعراً أو قاصَّاً، فشكَّلت الثقافة بمجلَّتيها الشهريَّة والأسبوعيَّة التاريخ السريَّ المعلن لأدباء سوريَّة، إذ حمى الأدب والأدباء، وقدَّم أجيالاً من الكتَّاب إلى وطننا الجميل سوريَّة والوطن العربيِّ.
هاوي «شقاوة» أو صحافة، استهوته إلى ميدانها الفسيح، فأحرز قصب السبق، وهو أديب مطبوع على الشعر، بالغ التواضع والكرم، يتحلَّق الكتَّاب حوله في مقهى الهافانا، أو في مكتبه الَّذي تصل إليه من ذلك الزقاق الضيِّق في ساحة الأرجنتين بمدينة دمشق - مكانَ مجمع الفورسيزنس حالياً - قبل أن ينتقل إلى برج دمشق.
صاحب مجالس ظرف وأنس وندامى لا تنسى، ورفقة درب وشعر ونثر وأحلام مخضوضرة معطَّرة، كما يشهد على ذلك الأديب عبد الله الشيتي مدير تحرير مجلَّة (النهضة) الكويتيَّة. ويقول الأستاذ إلياس غالي: «لولا مجلَّة الثقافة لبقي كثير من الأدباء والشعراء في غياهب الخفاء، لا يعرف لهم وجه، ولا يسمع لهم صوت.»
قال في افتتاحيَّة العدد الأوَّل أيَّار 1958:
- هذه المجلَّة يمكنها أن تملأ بتواضع فسح المجال الصحيح لكلِّ قلم أصيل حرٍّ مسؤول، إنَّها تقدِّم دائماً ثقافة وفكراً طليعيَّين، يسندان الحياة العربيَّة في تطوُّرها الطامح نحو الكمال لا سيَّما أنَّ الإقليم الشماليَّ – يقصد الجمهوريَّة العربيَّة السوريَّة أمَّا مصر فهي الإقليم الجنوبيُّ – لم تظهر فيه بعد مجلَّة من مستوى قضيَّته العامَّة.
يُذكر أنَّ مجلَّة (الثقافة) تأسَّست مع دولة الوحدة: الجمهوريَّة العربيَّة المتَّحدة، واستمرت سبع سنوات بإصدار شهريٍّ، ثمَّ تحوَّلت إلى أسبوعيَّة لمدَّة عشر سنوات. ومنذ عام 1975 صدرت المجلَّتان معاً، وكان في مقدِّمة كتَّابها: زكي الأرسوزي، عبد الكريم اليافي، بدوي الجبل، شفيق جبري، عمر أبو ريشة، أمجد الطرابلسي، جميل صليبا، عبد الله عبد الدايم، إبراهيم الكيلاني، عبد الرحيم الحصني، وداد سكاكيني، إلفة الإدلبي، نزار قبَّاني، حامد حسن، أحمد الصافي النجفي، سليمان العيسى، خليل هنداوي... بعد ذلك مطاع الصفدي، عادل أبو شنب، محمَّد الحريري، محيِّ الدين صبحي، جان ألكسان، علي الجندي، زكريا تامر.. وفيما بعد الأديبة الكويتيَّة سعاد الصباح.
ثمّ أصدر ملحقاً بالمجلَّة سمَّاه (كتاب الثقافة)، بلغت إصداراته ثلاثمئة كتاب من النتاجات الأدبيَّة والفكريَّة.
يا ليل
في تقديمه للديوان الوحيد لأديبنا الشاعر الكبير يقول الدكتور شاكر مصطفى:
يا ليل آهة ذبلت على شفاه قومي، وهم يردِّدونها صباح مساء منذ قرون، لا أدري مداها، ولست أعلم أيُّ شيطان، أو إله، وسوسّ بها إلى شاعرنا الصديق مدحة عكَّاش، فجعله يلقي بها على عتبة ديوانه، ويزرع تقاسيمها على البحور، فيغنِّي القصائد العصماء الَّتي تملأ بشدوها سمع الزمان مفتديَّاً بنفسه تلك المليحة السمراء، يخاطبها بصيغة المذكَّر:
فدتك الملاحة يا أسمرُ
وغنَّت مفاتنك الأعصرُ
كأنِّي أمرح في جنَّة 
إذا لاح لي وجهك الخيِّرُ
وكم قد قطعت عليك الدروب
فكنت تمرُّ ولا تنظرُ
ويصدح في قصيدة دمشق الَّتي هي المبتدأ دوماً وختام المسك:
أيَّ المفاتن في رحابك أعشقُ
بلد الفتون وسحرها يا جلَّقُ
جمعتِ في مغناك كلَّ سجيَّة
يزهو بها هام الزمان ويشرقُ
هل كنت إلَّا للعروبة قلبها
ولسانها فإذا استجارت ينطقُ
فما أحرانا أبد الزمان نحتفي بأستاذنا الكبير مدحة عكَّاش: معلِّم الأجيال /ذاكرة الوطن الغالي الحبيب/ رائداً من روَّاد الثقافة السوريَّة، بل عرَّابها الأصيل بكلِّ جدارة واقتدار، آملين عودة مجلَّة (الثقافة) إلى حضورها المتألِّق، مردِّدين مع الشاعر عبد المجيد عرفة ما أنشده بمناسبة عيدها الذهبيِّ في العام الخمسين لإصدارها:
عوداً إلى سفر الثقافة نستقي
من شهدها وفراتها الريَّانِ
رفدت عقول القارئين بعطرها
وثمارُها للقاطفين دوانِ
كالشمس تسطع لا نفاد لنورها
وكذا الثقافة خمرة الندمانِ

مؤلفاته:


- ابن الرومي - دراسة أدبيَّة- دمشق 1948
- رسائل الجاحظ (الحنين إلى الأوطان) - دار مجلَّة الثقافة 1966
- بدوي الجبل - دراسة ومختارات - دار مجلَّة الثقافة 1968
- ديوان شعري «يا ليل»- دمشق 1980
- شعر ينشىء الحياة في كوريا.
- أوراق عُمْر.
- صحيح اللُّغة.
- مجموعات قوميَّة.
- روائع الأدب الأندلسي - دراسة ومختارات.

الجوائز والتكريمات:
- كرَّمته وزارة الثقافة في حفل مهيب بمكتبة الأسد الوطنيَّة.
- كرَّمه اتحاد الكتَّاب العرب.
- نال وسام الثقافة البلغاريَّة عام 1987.
 - منح جائزة جبران خليل جبران العالميَّة تقديراً لشخصه وجهوده في نشر الثقافة، وخاصَّة الأدب المهجريِّ عبر مجلَّتيه «الثقافة» الشهريَّة والأسبوعيَّة.
- نال وسام الاستحقاق من جمهوريَّة كوريا الديمقراطيَّة عام 1991.
كما كُرِّم في العديد من المحافظات والمناطق السوريَّة مثل السويداء، صافيتا، حماة، ومدينة دمشق
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة