الخميس, 19 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 91 تاريخ 15/11/2016 > أطلق صوتي في الريح وأقول: أحبّكم
أطلق صوتي في الريح وأقول: أحبّكم

أتخيّل مثلاً إمكانية أن نستمع إلى أصوات الماضي الهائمة في فضاء المكان حولنا، آلاف الأحاديث السرية والثرثرات والمحاورات، وصرخات ألم ممزوجة بضجيج حروب، تعبرها فجأة موسيقا بيانو أو عود أو كمان... وأتساءل: ما هو الصوت؟ من أين ينبثق؟ هل يمكن بالفعل حبسه في زجاجة؟ هل له من الكثافة بحيث يمكننا لمسه؟ هل الصوت هو أوجد وخلق الصمت؟، أم إن الصمت هو أبو الصوت، هو رحِمُه، أصلُه، منبعُه، ومصدر انبثاقه، وهو منتهاه ولحْده الذي يبتلعه حتى آخر رنة/ نغمة/علامة موسيقية، تماماً كما النور والعتمة!؟
نهرُ الكلمات الذي انهمر عليّ ممن سألتهم: أيُّ الأصوات يهزّ سمْعَكم ويجعلكم تصحون من غفلتكم؟، ضخّم الرهبة في قلبي من قدرة الصوت، «الصوت الكوني»، على جعل الروح سُكْناه.
مفاجأة سؤالي لبعض الذين أعرفهم أيقظت عنقاء حنينهم لذكرياتٍ عاشوها بكامل شغفهم، فتغريد قالت: «أجمل الأصوات تلك التي بقيت في ذاكرتي وأحب أن استرجعها، هي التي كنتُ أسمعها وأنا في بيت جدي في ضيعة جبلية ساحرة اسمها (قيرون)، حين كان يمتزج، عند الفجر، صوت الراعي وهو ينادي على العنزات، مع صوت النساء وهنّ يخبزنّ على التنور، مع صوت أحاديث أهل الضيعة عن أدوارهم في سقاية الأرض، أصواتٌ عالية لكنها غير مزعجة، ذاك المزيج النادر من الأصوات، كوّن رائحةً خاصة ما زلت أشمّها حتى اليوم كلما زرت بيت جدي. أمّا في أيامنا هذه، أكثر ما يأسرني وسط هذا الضجيج هو: الصمت، صوت الحزن الصامت، وصوت العطاء الصامت.»
وحين طلبت من صديق قديم أن يشاركني أفكاره عن الصوت وغوايته، فأجابني باختصار وبلهجة عامية كأننا نتحدث وجهاً لوجه بدلاً من التراسل عبر «النت»: «فكرتك عن الصوت ممكن تخلّيني اكتشف كم أنني كائن بصري، مع ذاكرة بصرية، يعني بلا النظر بصير ولا شي، صورتك مثلاً بس أتذكرك بتطلع على بالي بلا صوت، بشتقلك بلا صوت أيضاً، كل الصور بلا أصوات، باستثناءات قليلة جداً، وإذا أنت  بتتذكر الأصوات منيح فبإمكانك لصْق صوت ع الصورة وتعمل شوق مرئي مسموع، متل مثلاً: صورة واحد واقف قدام الشباك عم يطّلع ع سما رمادية، وإنو هلق قبل لحظة مرّت سيارة، وفي جوّاتها راديو قديم وموجتو عم تخشّ، هيك صوت أغنية بتطلع لتلات ثواني لدرجة إنو الواحد ما بيلحق يعرفها، بس بيحس إنو بيعرف اللحن من زمان كتير، أو كأنو كان بيعرفو!». 
أمّا والدي فقد أجابني كتابةً: «هو صمتٌ من نوع الهمس، في قائظة صيف؛ حيث صوت قبّرات يتصادى، وأزيز ذبابة عابرة، ولا شيء آخر، سوى زرقة بعيدة، فوق في مكان لا يمكن تحديده، من خلل عينين شبه مغمضتين، خلف ستارةٍ تمّت تسويتها بعناية لتترك ظلاً يكفي للتمدد والاسترخاء بعد ساعات، بدأت مع الصباح، من بذل جهد ما، وانتهت بقرص شنكليش وهبّول تين».
الصوت دلالةٌ إذاً، طباقٌ بين الفكرة وتجسيدها. إنه الصوت المتحوِّلُ إلى صورة في وعينا وخيالاتنا، أو برؤية أخرى: الصوت خميرةُ الروح؛ الموسيقا نارُ نُضْجِها، الصوتُ عربدةُ الروح في قصب الناي، صهيلُ أحصنة برّية في السهل، لعبُ الرياح بشعورها المتمرجحة، انحباسُ الأنفاس لحظة الولادة/الخلق، معجزةٌ صغيرة على شفة طفل يتعلم النطق، موّالٌ عتيق يشقّ الروح، وضحكةُ فرحٍ ترتق جسداً مزّقه الملل.
وفي فضاء الاحتمالات التي نتكوّن منها، يغرينا أن نختار عدة أقنعة للاختباء خلفها، ويبقى صوت الشخصية الحقيقية هو الطاغي، هو الدليل المترف في وضوحه على أننا لن نستطيع الهروب من كوننا نحن ما نحن عليه، حتى لو غيّرنا لونَ عيوننا وأسماءنا.
ولكن أيضاً.. حين تمسّنا المحبة؛ يغزلنا الحنين فنرقّ، وتهدل يمامات أرواحنا، وتسعى الأرواح إلى بعضها كالتقاء الماء بالماء.. لحظتها سأطلق صوتي في الريح وأقول لكم: أحبكم
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة