الجمعة, 28 تموز 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 91 تاريخ 15/11/2016 > مروان قصاب باشي.. ذاكرة لألف عام..
مروان قصاب باشي.. ذاكرة لألف عام..
جهينة- د. محمود شاهين:
لا يمكن القول بـ«أفول» التشكيل في تأمّل حال الفقد، لا سيما لمن أثروا حياتنا التشكيلية بالعلامات الفارقة، وبالحيوية والخصوبة ودينامية الإبداع، ففي رحيلهم يبقى التشكيل هو ثمار أرواحهم وهي رحلاتهم في الزمان والمكان ومكابدة الألوان، رحلات تظلّ تحمل حرارة شواغلهم وجمالية مشروعهم، فمن نذير إسماعيل إلى مروان قصاب باشي، وما بينهم تظلّ الحياة التشكيلية بذاكرتها المديدة، تعلن انتماءها إلى وطن الألوان والتعدّد.

وكيف يلتقي التشكيل بالإبداع، ويتقاطعان ويتماهيان، إذا التقطنا لحظة ليست عابرة في ذاكرة مروان قصاب باشي وصديقه الروائي الكبير الراحل عبد الرحمن منيف، اللذين تبادلا العديد من الرسائل فيما بينهما إلى الحد الذي بلغا فيه كتابة باهرة فيما أطلق عليه بـ( أدب الصداقة والبوح)، ليصبح التشكيل من اللوحة إلى الرواية إلى الحياة، وما بين الرواية والرسم يذهب مبدعان كبيران إلى ما أراده منيف بـ«غسل الكلمات» وما أراده باشي للحديث عن براءة اللون الأول، المادة الأولى للحياة، من تقنيات الغسل لدى منيف واستعادة دور الأمثال الشعبية التي أبدع بنقلها في روايتيه (مدن الملح) و(أرض السواد).

في الكتاب الذي جاء بعنوان (رحلة الحياة والفن)، وقدّم فيها منيف لصديقه مروان قصاب باشي، ثمّة رؤية للفن والحياة، وفيه يقول منيف: ينتمي مروان إلى نوع نادر من الفنّانين الذين يؤمنون بأن الفن ليس مجرد جمال سابح في الفراغ، بل هو فعل أخلاقي يربط المتعة والفرح بالحقيقة. ويضيف منيف: مروان لم يُضع قطرة واحدة من موهبته على زخرفة العدم، بل كافح نصف قرن ليرى جوهر الناس والحياة وليرينا إياها.

ومروان قصاب باشي صاحب الأفكار التي وشمت لوحاته، وهي كما قيل أقرب إلى التجليات التي حاكت علاقته بالألوان، فأسفرت عن فرادته وإبداعه اللا محدود.

مروان قصاب باشي وعبد الرحمن منيف، حقاً هما أكثر من حكاية تأخذنا إلى اللا مألوف والمحلوم به، حكاية تبتدئ من التشكيل ولا تنتهي بمغامرات السرد، لكأنها في تماهيها بين قطبين كبيرين تحكي عن «اشتباك النص السردّي المنجز بالخطوط التشكيلية المهمة»، إذ تنكشف تجربة مختلفة في الفضاء الثقافي العربي، ويمكن قراءتها من أكثر من زاوية ومنظور انطلاقاً من سياقها التاريخي والفني والجمالي والشخصي، حتى تنفتح الدلالة في رحلة الفن والحياة، أي في معادلة الكشف والمتعة والتراسل فيما بين الفنون، وأكثر من ذلك التراسل بين حدس مبدعين هما أكثر اختلافاً فيما أنجزا، وأكثر حميمية فيما أبقياه للذاكرة الثقافية العربية.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة