الخميس, 19 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 91 تاريخ 15/11/2016 > الشاعرة عبير الديب.. وشم مخملي الجمر
الشاعرة عبير الديب.. وشم مخملي الجمر

جهينة – أحمد علي هلال
لصوتها فارق في حساسية الشعر، وخصوصيات صوغه، ليكون صوتها مضرّجاً بنكهتها الإنسانية المغايرة للسائد والمجترح بلاغته الداخلية، حتى تأتي عماراتها الشعرية صدى لهواجسها الإبداعية، ولتجربتها تصغي اللغة، لا لأنها تؤسّسها بالروح والقلق حدّ الجموح، بل لأن إشراقة حبرها تظلّ كناية ميلادها كشاعرة تُجيد الإبحار، ولا ترتجي من نار تنور الغواية بعض أرغفة الغزل كما تقول في رسالة إلى شاعر ما، لكن رسالتها كشاعرة وفي مشهد ثقافي بعينه هي، كيف تقطف من الضوء الندى لتبثّ غير رؤية تظلّ فيها الذات مرآة للعالم.
إنها الشاعرة عبير الديب التي التقتها جهينة وكان لها معها الحوار التالي:

الشعر صوت الجوهر..
*  كيف تصفين اللحظة الشعرية لك: هل هي مصادفة محض، أم ضرورة وشت لك الأبجدية بها؟
** إن تأطير أي لحظة شعرية بزمان أو مكان أو حادثة معينة هو إجحاف بحق الشاعرية، فالزبدة موجودة في الحليب تكويناً، لكنها في لحظة اهتزاز ما تتجمّع وتطفو بعد أن كانت سائبة ضمن بنية الحليب، وبالتالي هي ليست مصادفة لأنها موجودة أصلاً، وبالمقابل ليست ضرورة لغوية أو قراراً، فكم من قارئ محترف لا يجيد إخراج مكنوناته اللغوية ساعة يشاء.

إرهاصات مبكرة..
*الشعر بذاته مغامرة فريدة وأنت كتبت طويلاً قبل أن يبزغ فجر ديوانك الأول «أنثى الحب والحرب» هل  كتبت ما يعادل ذلك الشغف محبة للشعر؟
** أرى نفسي درويشاً يدور في فلك الشعر، فمهما كتبت ستبقى روحي تواقة إلى الاقتراب أكثر من نواته وجوهره، والقصيدة الأجمل لم تكتب بعد.
ديواني الأول هو طفولة التجربة خاصتي، فيه ولجتُ باب عالم الشعراء،  بيد أن الشاعر ضمن مسيرته يتجاوز نفسه مرات ومرات، وفي موقعي الآن بتّ غير راضية عن مضمونه، لكنه يبقى حالتي البكر وربما أجد نفسي لاحقاً غير راضية عمّا أكتب الآن.
قلت إن ديواني الأول كان مدخلاً إلى عالم الشعراء لا الشعر، ولو أردت تقويمه الآن لما اخترت منه إلّا بضعة نصوص.

 المبدعة صوت مَن لا صوت لهنَّ..
*مازالت  (الأنثى) في ثقافتنا العربية باحثة عن كينونتها وهي تشتق غير أسلوب لها بحثاً عن خصوصيتها كامرأة مبدعة وليس اختزالها كما وقر ذلك في ثقافة الأنساق والمضمرات التي اعتادت أن تختزل إبداع المرأة،  كيف تفسرين هذا الأمر؟
**لا بد للمبدع من رسالة ترسّخ كنه ذاته على الورق، والأنثى في مجتمعنا مازالت تتململ بين متمردة على واقع اجتماعي مفروض رسّخته سنوات من الجهل الاجتماعي لكينونتها وبين راضخة لواقع بيئي تحكمه العادات والتقاليد المجحفة،  فالمرأة المبدعة على وجه الخصوص هي صوت الكثيرات ممن ليس لهن صوت وهذا ما تبنيته من خلال الكثير من النصوص، ولا أعلم إن كان هناك متسع لإيراد مثال مما كتبت هنا ضمن هذا الحوار.

تختارني القصيدة..
*علاقتك بالكتابة وتنوّع أجناسها من الفصيح إلى المحكي، هل فرضت عليك تجريباً معيناً، بمعنى هل أنت مع التجريب؟
ما هو موقفك من النقد ومعروف أن نقدنا يمرّ بأزمات ثقافية وبنيوية نتيجة مفارقات الممارسة النقدية وتقحّم أدعياء رأوا أن الكتابة عن الشعر والإبداع سهلة، وبرعوا في إعطاء أحكام القيمة كيفما اتفق؟

ما هي رؤيتك للنقد اليوم؟
** الشعر ليس علماً كالفيزياء والكيمياء وغيرهما لنصل من خلال التجربة إلى نتيجة معينة توضع مسبقاً أو يُبحث عنها، لكنه انفجار ذاتي كأي انفجارٍ كوني.
وشخصياً لم أجرّب بالمعنى الحرفي للكلمة كتابة المحكيّ أو الفصيح.. التفعيلة أو العمودي، فالقصيدة عندي -ولا أعمم هنا – هي التي تختار قالبها وتفرضه عليّ، ولو أردت أن أحوّل قصيدة كتبتها بالمحكية إلى نصٍ فصيحٍ لعجزت عن ذلك، وأكرر..  هذا شخصي فلربما يستطيع شاعر أن يقوم بذلك.
*وصفت بالشاعرة المتمردة  وكتبت ما هو مختلف حقاً، الأمر الذي ألقى على النقد والذائقة أسئلة كبيرة بخصوص إبداعك وماهيته، هل يطمئن الشاعر/ الشاعرة والمبدعون عموماً لأوصاف كهذه، أم إنهم متطلبون كما هي قصائدهم؟
 ** النقد بالمجمل حالة صحية لابد من اقترانها بالإبداع على اختلاف أجناسه، فهو بقعة الضوء التي تضيء الجوانب الداخلية التي تفوت القارئ العادي لأي عمل.
لكنّك شخّصت بسؤالك هذا مرضاً، ولا أبالغ إن قلت وباءً بات يجتاح الساحة الأدبية، فظاهرة كثرة الشعراء والأدباء فرضت هشاشة في النوعية، وبالتالي هشاشة في النقد، كما فرضت تغيّباً قسرياً للموضوعية، فالنقد كان حافزاً لاستخراج الأفضل والإشارة إليه، وأراه الآن مجرد مدح وذم تلعب فيه الشخصنة دورها الهدّام، والعتب هنا على قاماتنا النقدية الحقيقية التي سمحت بتعويم هذه الشريحة من النقّاد والكتّاب على حدٍ سواء.
أما عن النقد «الحقيقي» فأنا أعتبره رافعة أساسية في أي حركة أدبية أو فنية.

التمرد في مرايا النقد..
*إذا حاورنا الشعرية عند الشاعرة عبير الديب، فسنجد أنها لا تطمئن للعادي أو المألوف أو المتداول، على ماذا تراهن الشاعرة عبير الديب؟
** طبعاً، إن وصفي بالمتمردة يرضيني كشاعرة تحاول وضع إصبعها على آلام بنات جنسها والحديث بلسانهن بلغة حرة لست معنية بقصقصة جوانحها أو تبديل مفرداتها لإرضاء مجتمع يرفض الاعتراف بهذه الآلام، ويعتبرها تحصيلاً حاصلاً، لكن ما لا يرضيني هو الوقوف عند هذه الكلمة وعدم الغوص في عمقها وتشعباتها، ولا أعتبر ما قلته «تطلباً»، بل هو رغبة محقة تجاه النقد والنقاد، ثم إن مفهوم التمرّد كما غيره من المفاهيم الإنسانية خاضع لقانون النسبية فما يعتبر تمرّداً في مجتمع ما قد يبدو مألوفاً في أوساط اجتماعية أخرى.

خصوصية المبدع..
* ماذا تعني لك الإضافة: هل إلى التجربة الشعرية ذاتها  أم إلى المشهد الشعري والثقافي -إن جازت التسمية - ومن المعلوم  أن ثمة أصواتاً شعرية مازالت تفتح آفاقها في مشهدنا السوري سواء أكانت نسوية أم ذكورية  مع التحفّظ على هذه التصنيفات!؟
** كيف لأي مبدع أن يطمئن للعادي والمألوف يا رعاك الله... أنا غير مهتمة كشاعرة باستنساخ تجارب الآخرين ومواقفهم أو أفكارهم، وخصوصية كل مبدع حقيقي هي التي تمنحه الاستمرارية لإثبات نفسه والتمرّد، فالشعر بحث دائم وحثيث عن اكتشاف مجاهيل هذا الكون بأدواته اللغوية الفنية.
* شاركت في أكثر من مهرجان شعري على مستوى الوطن العربي وسورية،  فهل مازال الشعر بخير، وهل مازال متلقّي الشعر حاضراً رغم الحرب الكونية التي شنّت على سورية واندياح القراءة بفعل تحديات شتّى؟
** لستّ معنية بما أضيفه إلى المشهد الثقافي بشكل عام والشعري خصوصاً بقدر ما يعنيني ما أضيفه إلى مشاعر القارئ، ولستّ من يقرر ما أضفت إلى الأدب، فهذا شأن النقد والنقد الموضوعي تحديداً وعليه أعوّل.

تجاوز الذات أولاً.. والمتغيّر هو الثابت الوحيد
* في جعبتك ديوانان  بعد «أنثى الحب والحرب» ولعلّهما «وشم مخملي الجمر» والآخر في مرحلة المخاض كما تقولين،  هل ننتظر تنويعاً في أغراضك الشعرية  ولاسيما أن ديوانك الشعري الأول لفت الانتباه إليه بمجيء شاعرة مختلفة بصوت صاف ومرجعية أصيلة مؤسسة؟
** بالمعنى اليومي للحياة، فالرغيف أهم من الكتاب، وما نمرّ به من أزمة جعل البرزخ واسعاً بين الثقافة بمعناها الحقيقي والشارع عموماً، وبالمقابل فقد غيَّبت الحرب دور الرقابة على نتاج الأدب لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن، فأفرزت ضحالة في نوعية النتاج الأدبي، ومع ذلك لايزال القارئ السوري شغوفاً بالكلمة الجميلة التي تلامس أحاسيسه ومقبلاً عليها على الرغم من تحديات الواقع الراهن، وبمجرد تجاوز الشاعر مرحلة ما فمن الطبيعي أن يطرأ تجدّد على أغراضه الشعرية وأدواته وطريقته في توظيف اللغة، وبالنسبة لمن يريد الأفضل فلا ثابت إلّا التغيير المستمر، ومن قرأ ديواني الأول ثم الثاني وسيقرأ المجموعة الثالثة سيلحظ أن هناك سعياً حثيثاً لتجاوز الذات أولاً والذاتي ثانياً والانفتاح على ما هو أعمق وأبعد شكلاً ومضموناً، وبما أن القصيدة هي وليدة انفجار لحظي لتراكم عتيق فسيخلق الشعر ما لا تعلمون..  ومن هنا فلا سقف للرؤى.

في ماهية التكريم..
*ماذا يعني تكريمك كمبدعة مازالت تواصل مشوارها الإبداعي بحساسية لافتة  وقدرة على إيجاد المعادل اللغوي والجمالي؟
**لنقف عند ماهية وأبعاد كلمة «تكريم»، برأيي المتواضع لا أعتبر أنني نلت تكريماً، فهل كتاب شكرٍ من جامعة أقمت فيها أمسية ما أو من مركز ثقافي أو أي منتدى يُعنى بالثقافة هو تكريم؟ لا أعتقد هذا ولو كان هذا صحيحاً لقلنا إن كل من هبّ ودبّ قد نال تكريماً، ولستّ بصدد التطرّق إلى أسماء بعينها إنما عموماً.
ورغم ذلك، فإن التكريم لمن يستحق ومن جهة رسمية مسؤولة وواعية لما تقوم به هو حافز وعبء أتمنى أن أستطيع حمله يوماً ما.

الشعر وأحقية الريادة..
*على الرغم من شيوع الرواية كجنس إبداعي نعيش الآن زمنه، هل مازال الشعر ديوان العرب؟
**لكل جنس أدبي روّاده.. متذوقوه.. متابعوه وكتّابه، ولا يمكن أن يطغى لون على آخر، فقد كان الشعر وما زال المؤرّخ الأول لأنماط الحياة في مجتمعنا العربي بهدوئها وصخبها، جراحها وأفراحها.. يطول جوانب حياتية لا تستطيع الرواية رصدها دائماً وبالسرعة نفسها، وأنت وكل قارئ تعي جيداً مكانة الشعر عند الأفراد والجماعات في مجتمعنا العربي، فهو جزء من ذاكرتنا الجمعية الموروثة لا يمكن لأي جنس أدبي آخر أن يحلّ مكانه.

القصيدة تختار قالبها..
 * لك قصائد عديدة باللهجة المحكية،  هل ذلك شكّل تحدياً  لك في مقابل من استنكر المحكي وظلّ عند ثوابت القصيدة العربية، وكيف نحقق انفتاحاً في اللغة من دون أن نستأثر بجنس إبداعي على حساب جنس آخر؟
** سامحني على حساسيتي.. كونك اعتبرت الشعر الفصيح جنساً أدبياً والمحكي جنساً أدبياً آخر، وبرأيي فإن الشعر فصيحاً كان أم محكياً هو جنس إبداعي واحد هذا أولاً، وثانياً كيف لبعضهم أن يستنكر روعة الشعر المحكي ويتنكّر لأربابه فينصّب نفسه قاضياً في محكمة الأدب يطلق أحكاماً مبنية على موقف ذاتي حصراً؟ وهل نستطيع إسقاط صفة شاعر عن كتّاب أغنيات فيروز من طلال حيدر إلى جوزيف حرب وغيرهما؟ لا أظن هذا أبداً.
يا سيدي الكريم القصيدة تختار قالبها، وهذا أقوله عبر تجربتي الخاصة، فما أكتبه بالمحكي لا يمكن أن أقوله بالفصيح والعكس صحيح، ولن أتخلى عن أحد هذين  اللونين لمصلحة الآخر.

الشاعرة عبير موسى الديب

سطور وعناوين:

- من مواليد مدينة حمص عام 1981.

- بقيت بين حجارتها السود ورقة ميماسها حتى أتمّت المرحلة الثانوية من دراستها بفرعها الأدبي، وانتقلت بعدها إلى حلب لتدرس في جامعتها إدارة الأعمال، وبقيت فيها حتى 2012.

- لها الكثير من المشاركات المحلية ضمن سورية، وقد حصلت خلالها على الكثير من شهادات التكريم والشهادات التقديرية.

- لها الكثير من النصوص باللهجة المحكية.

- ديوان مطبوع بعنوان «أنثى الحب والحرب»، وآخران تحت الطباعة، منهما «وشم مخملي الجمر».

- شاركت في مسابقة الشعراء الشباب في حلب، وفازت بالمركز الأول.

- شاركت في مهرجان القصيد الذهبي في تونس بباقة من قصائدها الوطنية الملتهبة حماسة، والتي كانت كما تقول الشاعرة: كسيف أُشهر في وجه الجحود العربي لفضل سورية أم القومية العربية.

- ألقت في المهرجان قصيدتيها «لموا الكرامة، وتصحّر»، تدعو فيهما إلى مجد الشام وإلى ياسمين دمشق الذي ينشر عبقه في كل الأرجاء.

كادر

تقول الشاعرة: فرضت على نفسي مرحلة تخمير قسرية لأضمن جودة خمر لغتي في كأس قصيدتي، والشعر رئتي، والمنصة عرشي.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة