الخميس, 15 تشرين الثاني 2018
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 88 تاريخ 20/7/2016 > هل يقول الإسلام بقتل المرتد؟!
هل يقول الإسلام بقتل المرتد؟!
مالموقف الديني ممن يغير دينه بعد سن الرشد شرعياً؟
ماذا يضير الدين إن ترك أحدهم الانتماء إليه؟
كيف يتعامل القانون مع من يغير عقيدته مرتداً؟
أسئلة كثيرة نتركها على بساط البحث مع العلماء الأفاضل في الديانتين الرئيسيتين في سورية الإسلامية والمسيحية

كنا قد نشرنا في عدد سابق تحقيقاً عن حكم المرتد في الإسلام، وبعد مرور عدة سنوات على نشره، ونظراً للتحريف الكبير الذي يحصل لتعاليم الدين السمحة من قبل التيارات التكفيرية لتشويه صورة الدين الإسلامي على وجه الخصوص، والذي ظهر جليّاً في السنوات الأخيرة في وجوه عدّة، خاصة لجهة الفتاوى التي تسيء إلى جوهر الدين وتخدم هذه التيارات البعيدة كلّ البعد عن الدين وتعاليمه، ولأهمية التذكير بالأمور التي تثير جدلاً وتحتمل أكثر من تأويل رغبنا في إعادة نشر هذا التحقيق لغناه بالمعلومات ولملامسته الأحداث والوقائع التي نعيشها ولتبيان رأي أهل الاختصاص في مواضيع تهم معظم شرائح المجتمع وتثير جدلاً واسعاً في أوساط كثيرة ولإماطة اللثام عن الغموض الذي يكتنفها وليتسنى لمن لم يقرأها الاطلاع عليها والاستفادة منها.

هل يقول الإسلام بقتل المرتد؟!

جهينة - إسماعيل مروة:

الحدود في الشرع موضوع شائك للغاية، ولا يزال العلماء والأئمة يقتربون منه بالكثير من الحذر والحيطة، وهم في ذلك على حق، فما دون الحدود بكثير لا يزال موضوع جدل وكلام طويل...!! وفي الديانات السماوية الثلاث نرى العلماء ورجال الدين حذرين في تناول أي أمر، وإن تناولوه كان للنيل من أحد أو للانتقاد والانتقاص..! وقد أشار مؤلفون كثر وعلماء أجلاء إلى أن الأمر في مختلف مراحل الحياة يحتاج منا إلى اجتهاد وقراءة واقعية للنص والواقع، لكن ماذا يفعل المرء، وهو يجد الاجتهاد معطلاً مرفوضاً؟ وإن تجرأ أحدهم على الاجتهاد ناله ما ناله من صفات ونعوت ما أنزل الله بها من سلطان!! والأمر يصبح أكثر صعوبة عندما يقترب من الحدود، مع أن القياس وهو من مصادر التشريع لدى المسلمين يعطي العلماء فرصة للتطبيق الصحيح للحدود، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه عطّل وأوقف حدّ السرقة في عام المجاعة، مع أن الحديث جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم.
فهل يرى علماؤنا أننا أكثر حباً للرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر تقيداً بسنته من عمر؟!! وهل يعطي هذا الحق لمن أراد أن يُبطل لا أن يعطل؟!

مفهوم الحد
الحدود بمختلف أنواعها توقف العمل بها في مجتمعاتناـ وبقيت سيفاً مسلطاً على البسطاء، وعلى العلماء الذين يقولون بأي اجتهاد فيها، ومن هذه الحدود حدّ التارك لدينه المفارق للجماعة (المرتد) الذي بيّنه الحديث الشريف:
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة) وفي رواية: المارق من الدين، فهل يجب قتل المرتد؟ وما هو مفهوم الردة؟ ومتى يمكن للمرتد أن يشكل خطراً؟ وهل تطبق الحدود كما يجب أن تطبق؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهان الجميع، تحاول «جهينة» مناقشتها وطرحها على بساط البحث.
لماذا الردّة؟
ما من مرة تحدث فيها النص عن الردة إلا قرنها بأشياء أخرى، كما رأينا في الحديث الشريف السابق، لكن ما يسترعي الانتباه وقوف العلماء والعامة على السواء من الردّة موقفاً متقارباً من اللين والشدة في الوقت نفسه، غير مستفيدين من علم الكلام والتحليل، فهم غير قادرين على تحديد مفهوم الردة، وغير قادرين على الإشارة إلى المرتد بدقة، وهم في الوقت نفسه يحكمون على الناس بالارتداد!!
الردة أمر عقيدي عقلي ضميري إيماني، وهو من أصعب الأحكام في الأديان، لأنه ما من أحد في الكون يستطيع الحكم على أحد بالردة إلا إن صرخ بأعلى صوته وصرّح بهذا الارتداد.
وقد جاء في اللغة: الارتداد: الرجوع، وهذا يعني أن المرء رأى أمراً وانخرط به، ثم لسبب أو لآخر يرتد عنه ويعود إلى ما كان عليه، أو لأي شيء آخر.
أما القرآن الكريم، فقد وردت الردة في مفهومها الديني في مكانين، الأول في سورة البقرة حين قال الله تعالى: (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) 217. وفي سورة المائدة: (من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) 54.
نلاحظ من قراءة الآيتين الكريمتين أن الله سبحانه وتعالى أنذر المرتدين إنذاراً شديداً في الدنيا والآخرة.
لكن سياق الأحداث التاريخية فيما بعد، وحين ارتد الأسود العنسي، ومن ثم اتسعت دائرة الردة إلى مسيلمة وسجاح وغيرهما، واستفحل أمر المرتدين، كان لا بد من مجابهتهم من الدولة الإسلامية الحديثة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، كما كان من شأن خليفة الرسول أبي بكر رضي الله عنه والموقف من المرتدين كان بهذا الحزم لأمور:
1- الخطر الذي يتهدد الدعوة الإسلامية وهي لا تزال في البدايات.
2- المجاهرة بالارتداد والتحدي السياسي.
3- تحوّل الردة من ظاهرة فردية إلى دعوة تتحدى الإسلام.
4- ارتباط حركة الردة بالتنبؤ والدعوة إلى جناح مضاد.
التعامل مع الردة عبر التاريخ
بعد أن استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه إخماد فتنة الارتداد، توقف الحديث عن الردة بالشكل الجماعي، وصارت أخبار الارتداد تأتي فرادى، وللإنصاف لا بد من الإشارة إلى ارتباط هذه الأخبار بالسياسة، فما من زنديق أو مارق في تاريخنا إلا وكان لقصته خلفية سياسية شخصية مع السلطة من بشار بن برد إلى المعري وغيرهما من الشخصيات الإشكالية في تاريخنا.. وإلى يومنا هذا نجد حد الارتداد معطلاً في كل البلدان، شأنه شأن جميع الحدود، وما صدر من أحكام عبر تاريخنا.. وله علاقة بالارتداد هو حكم سياسي بامتياز، ومن المعروف أن السلطات عبر الأزمنة تلعب على أوتار العقيدة والدين لمعاقبة الخصوم والمشاغبين..!
تحليل آراء المفتي العام للجمهورية العربية السورية
لم يفعل المفتي العام للجمهورية العربية السورية سماحة الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون شيئاً سوى أنه قرأ قراءة صريحة لمفهوم الحدود، وقدّم هذه القراءة بشكل واضح، فقامت الدنيا ولم تقعد، وفي الوقت نفسه الذي تحدث فيه المفتي تحدث فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي عن الحدود وتعطيلها، ومن ذلك حد السرقة وغيره، وفحوى الكلام واحد، لكن أحداً لم يعترض على فضيلة الشيخ القرضاوي مع انه يتوجه إلى شريحة كبيرة من الناس، تتجاوز هذه الشريحة الحدود القطرية والعربية، فماذا قال سماحة المفتي، ولماذا هذه الغضبة؟!!
جاء في كلام سماحة المفتي بالنص: «أنا لا أقول بقتل المرتد، القتل حينما يتحوّل المرتد إلى داع للردة، أما حينما يرتد في نفسه ويبتعد ولا يكون داعياً لردة فما عليّ أن أقتله.. أعتقد أن المرتد يقتل إذا صار داعية للردة، فالمرتدون قوتلوا لأنهم بدؤوا يجعلون من الردة دعوة.. ولذا أنا أمنع التبشير في سورية لأنه يعتدي على حريتي..»
ولو قرأنا هذا الكلام بوعي، وجدناه منطقياً ومنسجماً مع النص القرآني، فالمرتد هو الخاسر، وعليه وبال ارتداده، لكنه عندما يتحول إلى داعية للردة، فهو يدعو إلى فتنة وعندها يقتل، ويعرج على قضية التبشير بشقيها:
الاعتداء على الحرية.
تشكيل دعوة ارتداد.
وفي حديثه عن الحدود يقول:
«أسأل عن تطبيق الحدود، هل رأيت أميراً أو أميرة قطعت أيديهم؟ وهل هم لا يسرقون؟ هل وجدت وزيراً قطعت يده وهو سارق في العالم الإسلامي، أحكام الإسلام تطبق بناء على تطبيق المنهج كله وليس على استجزاء جزء منه، الإسلام ليس رقعاً، الإسلام كل متكامل».
وهذا الرأي على إيجازه يعيدنا إلى جوهر الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهذا يعني مجموعة من الأمور:
وجود المنظومة المتكاملة التي تطبق الإسلام، وفي حال وجودها ستختفي الظواهر التي تستحق العقاب.
وجود الشخص القادر على تطبيق الشريعة بحزم كما كان من حزم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الابتعاد عن الانتقائية في تطبيق الأحكام الإسلامية.
إن القراءة الواعية لما تفضل به سماحة المفتي لا تتعارض مع النص القرآني والحديث الشريف والسياق التاريخي، وتصريح العلماء الأفاضل كيوسف القرضاوي.
الوعي لما يدور بيننا وحولنا
ليس المراد هنا الدفاع عن أحد أو الهجوم على أحد، ولكن عدسة الإعلام المتنقلة في مختلف المواقع، والتي تقابل الشرائح كافة وجدت أن ما يدور بيننا وحولنا في الوقت ذاته يستدعي منا الدخول في مجاهل هذا الموضوع الحساس، فالقضية تجاوزت اجتماعياً حد الارتداد العام وتغيير الدين لتدخل في إطارات أكثر ضيقاً، وهو أمر مدروس بعناية فائقة، وإن اعترض بعضهم على نظرية المؤامرة، ومن أراد أن يجد الوثائق الدالة على التخطيط القديم لما وصلنا إليه فليقرأ الكتاب الموسوعي (المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية للباحث طارق البشري) إن الوعي السياسي والاجتماعي لما يدور حولنا وبيننا يستدعي منا أن نتعامل بالديناميكية التي منحتنا إياها الأديان السماوية.
لذلك حملنا محاور ملفنا وتوجهنا إلى عالمين فقيهين فاضلين هما الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي صاحب الرؤية الفقهية والمؤلفات الموسوعية. والأب جورج عبود المتخصص في القانون الكنسي، كما توجهنا إلى غيرهما، لكن ظروف أعمالهم منعتهم من المشاركة، وربما كان لحساسية الموضوع الدور الأكبر في الاعتذار والتسويف!!
قتل المرتد عقوبة سياسية وليست دينية
الفقيه الدكتور وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد:
فإن الإسلام يتميز بأنه دين عقيدة وشريعة وسلوك ومنهج حياة، وهذا التكامل تحقق على مدى ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة كانت في مكة لإصلاح أمرين:
1- إصلاح عقيدة المجتمع.
2- منع الفوضى في المجتمع، والتخلص من العادات الجاهلية البدائية.
وكان همّ الإسلام في المرحلة المكية إصلاح العقيدة وإعلان توحيد الله جل جلاله، والتخلص من عبادة الأوثان، وفي المرحلة المدينة كان التشريع الذي يتلاءم مع استقرار الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن المسلمين ابتلوا في المدينة باليهود، وكان هؤلاء يصطادون في الماء العكر، ويريدون الانقضاض على عقيدة الإسلام من خلال التحايل والتآمر ووضع المكائد، وقد جاء في النص القرآني: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) آل عمران 72، وقصدوا من ذلك أن يوجدوا خللاً وتشكيكاً في عقيدة الإسلام، وهذا يعدُّ تلاعباً بالدين ومحاولة لدفع المسلمين إلى الردة عن الإسلام.
فكرة معاقبة المرتد نشأت أصلاً لمنع ظاهرة التلاعب بالأديان والتشكيك فيها، وقد جاء في القرآن الكريم آيات تتحدث عن العقوبة الأخروية للمرتدين، وقد اقتصر النص القرآني على العقوبة الأخروية، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم، أمام هذه المكائد، ومحاولات التنصل من سلطة الأديان، ومن التمنع عن إعلان عقيدة التوحيد، لزجر هؤلاء المتلاعبين وجد أن العقوبة الأخروية لا تكفي لمن لا يؤمن بالآخرة، ولمن يرى أنه شعب الله المختار، ولا بد في سياق السياسة الشرعية، وإصلاح هذا النظام الإسلامي، وسد الخلل، من إنزال عقوبة دنيوية مباشرة في المرتد، فكان الحكم على المرتد بالقتل لزجر العابثين والمتلاعبين بالأديان.
بدأت حركة الارتداد من عصر النبوة، وهناك من ادّعى النبوة مثل الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب، وهؤلاء أرادوا العبث بالفكر الديني والإساءة لهذه العقيدة.. واستخدموا حرب المسلمين، لذلك كانت عقوبتهم القتل.. لما يشكلونه من تهديد للعقيدة وبنية المجتمع وحربه.. خاصة في بدء الدولة الإسلامية عندما كان الإيمان في بدايته مع أناس بسطاء.. ما من دولة في الوقت الحاضر إلا ولها نظام عام، في أي دولة شيوعية أو رأسمالية، هناك أحكام تصدر فيمن يخالف النظام العام تسمى الخيانة العظمى، ويقتل عليها.
لكل أمة نظام، والنبي صلى الله عليه وسلم وضع نظام الدولة الإسلامية، وفي مجال المرتد قال: (من بدّل دينه فاقتلوه) وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) والمفارق للجماعة هو الخارج على نظام الأمة، والفقهاء أخذوا هذه النصوص وقرروها عن السنة القولية والفعلية، ووضعوا شروطاً لتطبيق الحد: الإستتابة والحوار لثلاثة أيام..
عقوبة المرتد في الإسلام كانت من أجل الحرابة، أي من أجل من يحارب النظام والمجتمع، أما إذا كان الإنسان مسلماً، وتراءى له أن يترك الإسلام، وقال: أنا لا أريد الإسلام، وكتم أمره، ولم يعلن حرابته (حربه) على الإسلام فالإسلام لا يتعرض له في شيء، ولا يقتله.
ليس كل من ارتد يقتل، والمرتد حسابه على الله، أما من يضم إلى ردته النشاط المريب ويدعو إلى نحلته وعقيدته ويشكل خطراً على المجتمع يقتل لحرابته وليس لردته.
أسباب نشوء عقوبة الردة، وكون المرتد خطراً على النظام العام، وما قرره الفقهاء من أن المرتدين يقتلون لحرابتهم، دليل على مفهوم الحرية الدينية في الإسلام، أما القتل والعقاب فهو في الواقع عقوبة سياسية وليست دينية، وهذا المفهوم ينبغي أن يعرفه الجميع..
الردة في الوقت الحاضر:
أغلب الدول الإسلامية لا تطبق الحدود، فالقضية موقوفة وغير معمول بها، فلماذا تثار هذه الزوابع؟!
من الناحية العملية الحدود معطلة، عدا حدّ القصاص في القتل العمد، وعلينا أن نعرف أن لكل عقوبة ظروفها السياسية، فالظروف لسياسية الآن تخلت عن تطبيق الحدود..
ومن يثير هذه الموضوعات اليوم دون القراءة الواعية للظروف السياسية التي دعت إلى وجودها، يفعل ذلك في محاولة للنيل من الإسلام، وأضيف إلى أن هذا الموضوع ليس وليد اليوم، فقد أثير قبل خمسين عاماً في منظمة الأمم المتحدة، في إحدى الندوات حين قام أحد اليهود محاولاً التشنيع على الإسلام بسبب عقوبة المرتد التي يراها مصادرة للحرية الدينية المقررة، وتصدى له يومها الأستاذ الدكتور معروف الدواليبي أستاذ الحقوق في جامعة دمشق حينها، والذي كان حاضراً الندوة، وشرح الأمر على تدرجه التاريخي كما جاء سالفاً، وبيّن أن الحدّ لم يعد مطبقاً لانتفاء الظرف السياسي منذ أربعة عشر قرناً.
الأب جورج عبود، الذي تفضّل مشكورا بالإجابة عن المحور الأول فقط، واعتذر لضيق وقته عن المشاركة في المحاور الأخرى، وكانت إجابته:
ما الموقف الحقيقي دينياً ممن يغيّر دينه في سن الرشد؟
الأب جورج عبود: مجاز في القانون الكنسي، رئيس محكمة الاستئناف في بطريركية الروم الكاثوليك في دمشق. راهب من الرهبانية الباسيلية المخلصية، خادم كنيسة كيرلس لطائفة الروم الكاثوليك في دمشق.
«في رأس المبادئ المهمة التي يقوم عليها التعليم الكاثوليكي، والتي انطوت عليها كلمة الله وتردّدت على ألسنة الآباء في غير انقطاع أن الإنسان لا يستجيب دعوة الله إلى الإيمان إلا طوعا وفي حرية إرادة، ومن ثم فلا يجوز الضغط على أحد ليعتنق الإيمان مكرهاً. ففي طبيعة فعل الإيمان نفسها أنه طوعي، لأن الإنسان، وقد افتداه يسوع المخلص ودعاه يسوع المسيح إلى التبني، لا يستطيع الالتحاق بالله الذي كشف عن ذاته بالوحي ما لم يجتذبه الآب ويتقدم بإيمانه إلى الله في وعي العقل وحرية الإرادة. وهكذا فمن أشد الأمور مناسبة لطبيعة الإيمان أن يتجنب الناس، في أمور الدين، كل نوع من أنواع الضغط (المجمع الفاتيكاني الثاني، حرية دينية 10).
أبدأ بالجواب على السؤال بهذا النص الواضح والصريح والمعبر عن موقف الكنيسة الأساسي والمبدئي والإيماني. لأن بقناعة الكنيسة أن الإيمان لا يحركه «عامل الإكراه بل ضمير الواجب» (م.س.، حرية دينية 1). ولأن «الحقيقة لا تفرض ذاتها إلا بقوة الحقيقة نفسها التي تخترق حجب النفوس بعذوبة وشدة معاً» (م.ع).
ويعلن المجمع الفاتيكاني الثاني الذي خصص بياناً كاملاً بعنوان «الحرية الدينية» بأنه في «أمور الدين لا يجوز لأحد أن يكره على عمل يخالف ضميره، ولا أن يمنع من العمل، في نطاق المعقول، وفاقاً لضميره، سواء كان عمله في السر أو في العلانيّة، وسواء كان فردياً أم جماعياً» (حرية دينية 2)، لأن «حق الحرية الدينية متجذر في كرامة الشخص البشري نفسها، كما ورد ذلك في كلام الوحي الإلهي وأوضحه العقل نفسه» (حرية دينية 2). فقناعة الكنيسة مستندة إلى الوحي الإلهي أولاً والفكر البشري ثانياً. فواجب الضمير هذا يتفق مع طبيعة الإنسان المخلوقة من الله، فلا بدّ إذاً أن ينعم الإنسان بحرية «نفسية مقرونة بالعصمة عن الضغط الخارجي» (حرية دينية 2) حتى يقرر إيمانه.
ويتابع المجمع مؤكداً أهمية الضمير الإنساني، فيقول: «إن الإنسان يدرك بضميره ويعرف ما توعز به الشريعة الإلهية، وعليه أن يتبعها بأمانة في شتى نشاطاته لكي يبلغ غايته التي هي الله. فليس من الجائز إذن أن يكره على ما لا يبيحه ضميره. وليس من الجائز أن يمنع من عمل ما يقتضيه ضميره ولا سيما في أمور الدين. فالممارسة الدينية، تقوم، في ذات طبيعتها وقبل كل شيء، بأعمال داخلية تصدر عن إرادة حرة، يتوجه بها الإنسان مباشرة إلى الله: وأعمال كهذه لا يمكن لأي سلطة محض بشرية أن تأمر بها أو تنهي عنها فطبيعة الإنسان الاجتماعية نفسها تقتضي بأن يعبر الإنسان تعبيراً خارجياً عن الأعمال الدينية الداخلية، وأن يكون له في أمور الدين اتصال بالغير، وأن يعترف بدينه بطريقة جماعية» (حرية دينية 3). واستناداً إلى الوحي الإلهي وجب على المسيحيين اتباع تعليم السيد المسيح والمحافظة عليه وتقديسه، «فإنه يكشف عن كرامة الشخص البشري في كل ما لها من أبعاد، ويبين إلى أي حد راعى المسيح حرية الإنسان في إنجاز واجب الإيمان بكلمة الله» (حرية دينية 9).
انطلاقاً من هذه المبادئ الإيمانية الأساسية في حياة الكنيسة فقد جاء تعليم الكنيسة الكاثوليكية مطابقاً لما رسمه المجمع الفاتيكاني الثاني، إذ يقول: «الحق في الحرية الدينية ليس الإباحة الأدبية باعتناق الضلال، ولا الحق المفترض في الضلال، وإنما هو حق طبيعي للشخص البشري في الحرية المدنية، أي الحصانة من الإكراه الخارجي، ضمن حدود صحيحة، في الموضوع الديني، من قبل السلطة السياسية. ويجب أن يعترف بهذا الحق الطبيعي في النظام القانوني للمجتمع بحيث يكون حقّاً مدنياً». (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 2108).
أما القانون الكنسي الذي ينظم حياة الكنيسة، ينصّ في القانون 1436 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية على ما يلي: «من ينكر أية حقيقة يجب الإيمان بها استناداً إلى الوحي الإلهي وإلى العقيدة الكاثوليكية، أو يضعها موضع الشك، أو يرفض رفضاً شاملاً الإيمان المسيحي ولا يرتدّ بعد تنبيهه بموجب القانون، فليعاقب بالجرم الأكبر كهرطوقي وجاحد، وإن كان إكليريكياً فيمكن بالإضافة إلى ذلك أن يعاقب بعقوبات أخرى بضمنها الحطّ».
فالحرم الأكبر ينتج من طبيعة الأمور فيشمل الحرمان من المشاركة في كافة أسرار الكنيسة والدخول إليها، أي إقصاءه عن الجماعة الكنسية وليس من المجتمع الذي هو فيه، ولا تدّعي الكنيسة ولا تملك أي إجراءات اجتماعية ضد الجاحد في الإيمان. (القانون 1431: «من عوقب بالحرم الأصغر يحرم من تناول القربان المقدس، ويمكن بالإضافة إلى ذلك منعه من الاشتراك في الليترجيّا الإلهية، حتى من دخول الكنيسة في أثناء الاحتفال برتبة دينية عامة». القانون 1434: « الحرم الأكبر يمنع، بالإضافة إلى كل ما ورد في القانون 1431، البند 1، من تقبل الأسرار الأخرى، ومن خدمة الأسرار وأشباه الأسرار، وممارسة أي منصب إن خدمة أو وظيفة، والقيام بأعمال حكم، وإن قام بها مع ذلك تكون باطلة بقوة الشرع عينه»). وهذا هو الحد الأقصى من العقوبات للذي يترك الإيمان المسيحي الحق.
نميز بين المجتمع البشري والجماعة الكنسية التي كان المؤمن عضواً فيها ويتركها حين يخرج عن أطرها العقائدية الدينية، فيُحرم من الاشتراك بخيورها وإنعاماتها، دون أن تناله في حياته الاجتماعية المدنية أية عقوبة من قبيل الملاحقة أو الأذى المعنوي أو الجسدي. فتحترم الكنيسة خيار الشخص البشري في ترك الجماعة، وتستقبله إذا ما قرّر العودة إلى جماعة المؤمنين على قاعدة التوبة والمسامحة والغفران.
جاءت الإجابات منسجمة مع التوجه الديني، مع أننا كنا نتمنى أن تكون القراءة الاجتماعية والسياسية المعاصرة هي المسيطرة، خاصة في مجتمع تشظت فيه الآراء والأفكار بشكل غريب، وفلسفت فيه الأمور بطريقة لا مثيل لها..
إن الارتداد أو تغيير الدين أمر شائك كما بدأنا، وتقديره من أصعب الأشياء، و إن كان موجوداً لدى هذا الدين أو ذاك، فما من خطر منه بعد أن وصلت الأديان غايتها، وبدل أن نلتفت إلى أمور قلبية غيبية لماذا لا نلتفت إلى الأخطر وهو الحملات التبشيرية وما ماثلها، التي تستغل حاجة الإنسان وفقره لتضرب أساس الديانات القائمة على عدم الإكراه؟!
يذكر طارق البشري محاولات الكنيسة البروتستانتية التبشيرية بين الأقباط والمسلمين في مصر، ولكن أحداً لم يلتفت إليها، وكاتب السطور قابل بعثة تبشيرية في إحدى الدول العربية تبشر للكنيسة البروتستانتية، والمطبوعات التي وزعت لا تزال موجودة بحوزته!!
ربما نقف مستقبلاً مع الحركات التبشيرية وما يماثلها ودورها في الارتداد وتغيير الدين، خاصة لدى العامة والفقراء، لكن دراستنا ستكون في البحث عن دور الحكومات والمؤسسات الاجتماعية في حماية الحرية الدينية والعقدية
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة