
جهينة- سماح عماش:
مما لا شك فيه أن الانقلاب الجذري لوضع المرأة ومكانتها في العصر الحديث، والذي أفرزته المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية السريعة دفع المرأة لتطلق العنان لكافة مواهبها وإمكاناتها وتكون أكثر عطاءً من خلال مشاركتها الرجل في كل مجالات الحياة، وذلك مقارنةً بالماضي المثقل بالموروثات الاجتماعية البالية التي أعاقت تطورها تحت حجج كثيرة منها أنها الأنثى الضعيفة، ناقصة العقل والإبداع وغيرها من الملامح المصطنعة التي رُسمت لهذه الأنوثة مقابل التضخيم لملامح الرجولة، والسؤال هل تغير مفهوم الأنوثة في عصرنا الحالي، وماذا بقي منه، وكيف يفهم الشباب معاني الرجولة والأنوثة، وما أهم ملامح كل من المفهومين بنظرهم، وهل الأنثى راضية عن مكانتها الراهنة، وماذا عن الرجل.
الآراء التي حصلت عليها "جهينة" في هذا الاستطلاع كانت متنوعة، لكن من الواضح تمسك غالبية الرجال بخصائص الرجولة الشرقية شكلاً ومضموناً، مقابل تمسكهم بضرورة محافظة المرأة على أنوثتها، ولكن بأي مقاييس؟.
الرجال قوامون
يقول محمد الأسعد/ تاجر/ : "الرجولة مفهوم متعدد المعاني، ويتضمن الكثير من الخصائص التي تتميز عن خصائص الأنوثة، فالرجل الحقيقي هو الرجل القوي المقدام القادر على مجابهة ظروف الحياة المختلفة، وامتلاك طاقة كبيرة على التحمل من دون تذمر أو شكوى، لأن الشكوى والعجز والخوف، أو قلة التدبير من خصائص النساء إجمالاً، وبالتالي الرجولة تفرض على الذكر أن يكون سيد الموقف دائماً، وهذا ليس انتقاصاً من مكانة المرأة، إنما لأن الأنثى أقل قدرة من الرجل على مواجهة التحديات بتعقل، لأنها أكثر عاطفية وانفعالية، ما يجعلها تخطئ في تقديرها للأمور".
ويأسف محمد للتغيرات العاصفة التي أصابت رجال اليوم، خاصة في الشكل قائلاً: "رغم أني من هذا الجيل إلا أني أرى أن شباب اليوم هم في الحقيقة أشباه رجال، فقد أصبح الشباب يقلدون الأنثى بالشكل والتصرف، فنشاهد بعضهم ينافسون النساء في ارتداء الموضة التي لا تلائم رجولتهم، سواء باللون أو الموديل، وكذلك في قصات الشعر، حتى أصبح الشعر الطويل أو الملون عنوان الرجل العصري والراقي أو الدنجوان".
تبادل الأدوار
ويؤيده الرأي سمير نجمة/ موظف/ بقوله: "لم نعد نميز في هذا العصر بين الذكر والأنثى، فالذكر بدأ يتخلى تدريجياً عن رجولته، والأنثى بدأت تتناسى ما تفرضه عليها أنوثتها الحقيقية، ويوضح: رجل هذا العصر لم يعد صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، خاصةً بعد خروج المرأة للعمل، وحصولها على الاستقلال الاقتصادي الذي جعلها تتسلط على الرجل في بعض الأحيان وتذله أحياناً براتبها الشهري، لذلك أصبح الرجل مضطراً للسكوت ومسايرة الوضع، والتنازل عن امتيازاته وحقوقه كرجل، من خلال أخذه مثلاً دور المرأة في البيت، وممارسته الأعمال المنزلية، أو من خلال تقبله عملها لأوقات طويلة ومتأخرة خارج المنزل.
ويتابع: أما المرأة فقد بدأت تفقد معالم أنوثتها، كالرومانسية والرقة والحنان، بانغماسها المتواصل في العمل ومتاعبه، إذ أصبحت سريعة الغضب، قليلة الصبر، وتحولت إلى كائن لا يكل ولا يمل ولا يهدأ.
قوة وأنوثة
أما عمر عبد اللطيف /إعلام/ فيرى أن الرجولة قيمة إنسانية مهمة، والتي تعني له قوة الإرادة والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة والحكيمة بعيداً عن منطق العاطفة الذي يتحكم بسلوك وتفكير الأنثى عادةً، إضافة إلى الحزم في اتخاذ المواقف، لأن التقلب والتردد بعيدان عن شيم الرجال، ويوضح بقوله: "أعتقد أن الرجل أقدر من المرأة على مواجهة مصاعب الحياة بجدية أكثر، إضافة لقدرته على الإبداع والعطاء، فالتراث الفكري والأدبي والثقافي والعلمي يثبت ذلك، وهذا يعود لجملة من العوامل أعاقت المرأة عن التقدم والإبداع عبر الزمن ولم تعطها الفرص اللازمة لتخرج كل ما لديها من طاقات، كالتربية والعادات والتقاليد وغيرها".
ويضيف: "الأنوثة الحقيقية تكمن في ابتعاد المرأة عن أسلوب الفظاظة والخشونة في الحديث والتعامل، واتباع أسلوب الرقة واللطافة والحنان اللامتناهي في معالجة الأمور، وفي الوقت نفسه فإن قوة شخصية المرأة لا تتعارض مع أنوثتها، لأن المرأة الضعيفة تعيق تطور الرجل وتؤثر في تربية أطفالها، فتورثهم السلبية وانعدام الشخصية، وهذا يتنافى مع دورها الأساسي كأم".
التسلط قاتل
ويقول إياد نجار: لكل من الرجل والمرأة خصوصية، فلا يمكن للمرأة أن تكون كالرجل تماماً، والعكس صحيح، إلا في حالات استثنائية؛ فقد تضطر المرأة، ونتيجة للظروف القاهرة التي تعيشها، أن تضع أنوثتها جانباً، خاصةً عندما تعيش مع رجل ضعيف الشخصية، اتكالي وغير مسؤول، ولا يحمل من صفات الرجولة شيئاً.
ويتابع: لكنها ستفقد أنوثتها بالتأكيد عندما تمارس الأعمال الخشنة التي لا تناسب طبيعتها الأنثوية، كدخولها الجيش مثلاً، وكذلك عندما تتحول إلى امرأة متسلطة لا يهمها سوى السيطرة على الرجل وكسر كلمته.
وعن فهمه للرجولة يقول: "الرجولة الحقيقية ليست في امتلاك القوة البدنية، بل العقلية والقدرة على مواجهة المصاعب بصلابة".
أنوثة لا ضعف
ويرى إبراهيم صالح / مهندس/ أن الأنوثة مسألة محسوسة، ولا يمكن التعبير عنها بالكلام، ويدل عليها الشكل الخارجي للفتاة، وطريقة الحديث والسلوك الذي يتسم بالنعومة واللطافة، أما الرجولة فهي ملموسة أكثر شكلاً ومضموناً، من خلال المواقف المتعددة التي تثبت حنكة الرجل وقدرته على التعامل مع الظروف الصعبة بذكاء، ويقول "لا أبرر للفتاة ضعفها وسلبيتها وعدم إقدامها على الحياة بقوة، بحجة أنها أنثى، لأن الأنوثة شيء، والضعف والاستكانة أو الهروب من المواجهة شيء آخر، فعندما تدرك الفتاة وتقتنع أن ما تفعله صحيح يجب عليها الإقدام والدفاع عن مواقفها للحصول على ما تريد".
ويتابع "لهذا السبب لا أتمنى أن أكون امرأة، لأن حق الأنثى مهضوم في مجتمعنا، وهي غير حرة في تقرير مصيرها، فهي تحررت ظاهرياً، لكنها مازالت مقيدة ضمنياً في كثير من المواقف، ولا تملك قرارها بيدها في كثير من الأحيان".
المرأة ضحت بأنوثتها
لكن ما مفهوم الرجولة والأنوثة في نظر النساء، وماذا حل بأنوثة المرأة بعد دخولها سوق العمل؟.
ترفض رشا غانم / صحافة/ أن تكون تبعية المرأة للرجل من مرادفات أنوثتها، لأنها ترى أن الأنوثة لا تتعارض مع تبوء المرأة المراكز الفعالة في المجتمع، لكنها لا تنكر أن الأنثى في هذا العصر بدأت تضحي بجزء كبير من أنوثتها مقابل اللحاق بركب الحضارة ومجاراة الإيقاع السريع للحياة، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية السيئة، وواقع العمل الذي يفرض عليها ذلك، موضحة "تضطر المرأة في أحيان كثيرة للتحول إلى رجل فكرياً وجسدياً لتكون منافسة له، ولتثبت نفسها، وتغير الصورة القديمة لها في ذهن المجتمع، ما يجعلها تتحمل أعباء وضغوط وظروف العمل القاهرة، والتي قد لا تتناسب مع فيزيولوجيتها وطبيعتها الأنثوية".
وتأسف رشا لأن بعض جهات العمل تتعامل مع المرأة انطلاقاً من شكلها الخارجي فقط وكأنها مجرد دمية جميلة، حيث لا يهتمون بمهاراتها الفكرية والإبداعية، وكأن الأنوثة شيء مرتبط فقط بالشكل الجميل والغنج وأشياء أخرى. وعن فهمها للرجولة تقول: "الرجولة لا تعني السيطرة والتسلط على المرأة، إنما تعني قدرة الرجل على تحمل المسؤولية ومواجهة مصاعب الحياة بأقل قدر ممكن من الخسائر".
شفافية وحزم
وتقول نيللي مراد/ موظفة/ "المرأة نصف المجتمع، وبالتالي أنوثتها يجب ألا تعيقها عن أخذ دورها كاملاً في بناء وطنها ومجتمعها الصغير، فلا ضرر من أن تمارس المرأة ما تفرضه عليها طبيعتها الأنثوية، كالرقة والشفافية في التعامل، وبالمقابل أن تكون امرأة صلبة قادرة على اتخاذ المواقف الحازمة والحاسمة في الظروف المناسبة التي تتطلب ذلك، لأنها بغير ذلك ستخسر الكثير".
وتضيف: "أحياناً تنتابني الرغبة في أن أكون رجلاً، خاصةً في المواقف التي لا أستطيع أن أتصرف فيها بحرية تامة، لأن سلوك الفتاة في مجتمعنا العربي يخضع للأسف لمعايير وتقاليد اجتماعية متناقضة وغير صحيحة في كثير من الأحيان، والأنكى من ذلك أن مفهوم الرجولة لدينا يأخذ معاني ضيقة جداً، مرادفاتها السيطرة والعنف والحرية غير المسؤولة ودون ضوابط، متناسين أن الرجولة الحقيقية هي الحكمة بالتصرف والقدرة على اتخاذ المواقف المنطقية انطلاقاً من القدرة على تحقيق التوازن بين العقل والعاطفة".
الأعمال الخشنة تقتل الأنوثة
وترى ريمان جابر أن على المرأة حتى تحافظ على أنوثتها، أن تتماشى مع ما يفرضه عليها جنسها، وذلك بابتعادها عن الأعمال الخشنة، أو الأعمال التي تستنفد طاقاتها الأنثوية وتقتل رقتها وشفافيتها، لأنها من دون هذه الطاقات تصبح كالآلة، بلا روح، وبلا حياة .
وتقول: "على الرغم من أني راضية ومعتدة بأنوثتي إلا أني كثيراً ما أرغب بأن أكون رجلاً لأن الرجل في مجتمعنا يتحرك بحرية تامة، ويحمل البطاقة الخضراء التي تجعله المتحكم الأول بمصيره، بعكس الفتاة التي تصطدم دائماً بالأعراف والتقاليد البالية التي تكرس مفهوم أن الأنثى ضلع قاصر، ما يجعلنا نعيش صراعات وتناقضات بين ما نرغب وما يرغب فيه المجتمع، لذلك تضطر المرأة أحياناً للتحول إلى رجل، حتى تثبت ذاتها وتحقق ما تصبو إليه في ظل مجتمع لا يرحم".
وأخيراً...
في النهاية نقول: لابد أن نعترف بأن للمرأة خصوصيتها وللرجل خصوصيته، وشأن المرأة ليس أقل ولا أكثر من شأن الرجل، لأن معادلة الحياة لا تكتمل إلا عندما تتعانق أنوثة المرأة مع رجولة الرجل ليصنعا معاً صيرورة الحياة بكل ما فيها من ألوان، فأنوثة المرأة ليست نقصاً أو عيباً، وليست مدعاة للشعور بالدونية، لأنها طاقة كبيرة منحها الله لها، وعليها أن تستثمرها أفضل استثمار وتحولها إلى مهارة إبداع عندما تدرك تماماً متى تستخدم شفافيتها وحنانها وعطفها ورقتها وصبرها وذكاءها وقوتها في اللحظة المناسبة، لذا كوني أيتها الأنثى الصدر الحنون عندما تخور عزيمة الرجل، والجبل الصامد عندما يغيب عنك، وكوني دائماً أنت ذاتك، لا نصف امرأة ولا نصف رجل، فأنت أساس الحياة، وبالمقابل نتمنى من الرجل أن يدرك هذه الصيغة التكاملية في الحياة، ويتخلى عن ممارسة الرجولة الخاوية من أي معنى خاصةً عندما تكون موجهة فقط لقمع الأنثى والسيادة عليها، بينما تكون هي بأمس الحاجة لرجولة حقيقية تحقق لها الحماية والأمان أولاً وأخيراً.