السبت, 17 تشرين الثاني 2018
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 21 تاريخ 1/2/2007 > فايز خضور الشاعر الوردة المسكون بالقنبلة
فايز خضور الشاعر الوردة المسكون بالقنبلة
عندما علمت أن الشاعر المبدع فايز خضورقد تعرض لوعكة صحية شديدة، انتابني إحساسان، أولهما الخوف على هذا الشاعر المميز الذي يحمل في شعره نكهة الشعر السوري الحديث، وثانيهما الإحساس بالتقصير تجاه شاعر جميل يعيش بيننا دون أن نقدره كما يستحق، وهو رائد من رواد الشعر السوري الحديث، وسيكون هذا الشاعر محوراً أساسياً فيما لو أعدت دراسات عن الشعر السوري الحديث والمعاصر، ليس لأنه عاش هذا العصر فقط، بل لأنه كان من أكثر الشعراء السوريين أصالة وثقافة واستمراراً بالتميز الشعري خلال رحلة بدأت في خمسينيات القرن العشرين ولا تزال مستمرة حتى اليوم.. حاولت مرات أن أسمع صوت الشاعر الجميل والصديق، لكنني لم أتمكن بسبب ظروفه، فعدت إلى دواوينه المتفرقة، والمجموعة بإشرافه في وزارة الثقافة السورية، لأتواصل مع الكلمة المؤثرة والمعبّرة في الوقت ذاته، وأقّدم تحية لهذا الشاعر الذي مثّل تجربة مميزة في الشعر العربي السوري الحديث.


متابعة وتفرد
بعد نزعات تصنيفية كثيرة، يصل المرء إلى أن أغلب التصنيفات التي شاعت ليست متركزة إلى أسباب منطقة وعلمية، فمن تصنيف قديم وحديث، وآخر يستند إلى العروض، وآخر إلى منطلقات الشاعر، وأغلب من يقوم بهذا التصنيف يتسم بالولع بالحدية والحرفية، لكن المنطق يقول إن كل هذه التصنيفات واردة وصحيحة، لكن التداخل بين التصنيفات وارد، ودون أن يتم إهمال المؤثرات الخارجية والداخلية والفكرية لكل أديب من هؤلاء الأدباء .
ولعل من أهم الدراسات - إن اختلفنا أو اتفقنا معها- دراسة الاستاذ الدكتورأحمد بسام ساعي التي نال بها شهادة الدكتوراه بعنوان ( حركة الشعر الحديث في سورية من خلال أعلامه ) وقد اعتمد الدكتور ساعي تقسيماً قائماً على المؤثرات والعروض والزمن في الوقت نفسه، وفايز خضور أدرج في هذه الدراسة تحت اسم القصيدة الحديثة أو الكلية مع أدونيس ومحمد عمران، معتمداً تسمية أدونيس نفسه في كتابه (مقدمة للشعر العربي) وبدأ الباحث بتعريف هذا النوع من الشعر بقوله: (تتجه القصيدة الحديثة إلى العقل متخلية عن القلب الذي كانت تصدر عنه في معظم الأحيان لدى شعوب العالم) ثم ينتقل للحديث عن المؤثرات الغربية الخارجية ليقول: (وتقوم القصيدة الحديثة على أنقاض الرمزية والسريالية، مع إضافات جديدة ومتباينة لدى كل شاعر) فشاعرنا فايز خضور ينتمي لدى الباحث إلى شعراء القصيدة الحديثة الكلية النابعة من العقل أكثر من كونها نابعة من القلب، وهوبهذا يؤطر الشاعر وشعره في إطارعالمي متأثر بالقصيدة الحديثة التي استفادت من السريالية، وأقامت على أنقاضها شعراً جديداً.
فالشاعر خضور ليس خاصاً بنفسه من حيث المدرسة الشعرية، وإن كان خالصاً للغاية في شعره ونَفَسِه الشعري المميز، لأنه يعيش في محيط يتأثر به ليترك أثره، وسنرى أن الباحث نفسه يخص الشاعر فايز خضور بتميز في التجربة، ونضوج نوعي بين كل تجربة أخرى، ليخرج من إهاب المدرسة الشعرية مارداً له خصوصيته وهويته، والذي لم يؤثر في مسيرته الشعرية فقط، بل أسهم إسهاماً شديد اللهجة في حياته وطريقة تفكيره.

الرؤية والرائي
آخر الوافدين
أيها العابر البطيء
بين أدغال قرطبة
في دمي جرحك المضيء
قصة متَعَبة:
"كيف يسري ضريران، بالوحل، تحدوهما غيمة، من تراب الزمن؟!
كيف يسري الزمن
فوق أدراج بيتنا
فوق مفتاحه الصدىء؟!
أيها الوافد البطيء
كيف ترتاح بعدنا؟!"
ينقل عن أدونيس قوله في القصيدة الحديثة (إنها رؤيا) وهي بطبيعتها (خارج المفاهيم القائمة)،وهذه الرؤية التي حلل فيها النقاد كثيراً، وتحدث عنها الشعراء في أشعارهم، تتجلى في شعر فايز خضور، وأنت عندما تقف عند مجموعاته الشعرية تحتار في انتقاء الدّال على الرؤية، فالشعر كله ينطلق من رؤى، وعند فايز خضور تحضر الرؤية قبل الشعر أو معه، وعلى الرغم من قول أدونيس بأنه مامن أحد من الشعراء السوريين قد استطاع أن ينجح في نظم القصيدة الكلية، إلا أننا بقراءة شعر فايز خضور نجد أنه نجح في تقديم القصيدة الكلية الحديثة التي تحمل الرؤية إلى حد بعيد،ومقطع آخر الوافدين يظهر الرؤية الناضجة والعميقة لدى فايز خضور، والتي تحتاج إلى مؤازرة النقاد للكشف عنها وتقديمها بعد سبر أغوارها.
ومن البدهي أن تبتعد القصيدة الحديثة عن قارئها إلا بمقدار مايملك من مفاتيح لولوج أبوابها واحداً بعد آخر، هذا بعيداً عن الغموض غير المستحب، ولاشك في أن خضور قدم الرؤية التي أسبغت على القصيدة شيئاً من الغموض، لكنه الغموض الذي يبحث عن فكرة ممتدة في التاريخ وحاضرة اليوم، ومبشرة بالغد القادم مهما كان نوع هذا الغد.

الهم السياسي واليومي
تحدثنا عن وجود الرؤية وعمقها، والغموض الذي يكتنفها لدى بعض الشعراء، وأسباب هذا الغموض، لكننا في قراءتنا لشعر فايز خضور نجد تناغماً جميلاً فنياً، ومؤلماً فكرياً بين الرؤية والهم الذي يعيشه الإنسان العربي في وطن فقد الكثير من مقومات الأوطان، فالإنسان العربي مكره على أن يعيش في شروط تنتفي فيها أدنى حدود الموضوعية، فمن الفقر إلى النفي والغربة، إلى التحدي والهزائم، إلى الجهل والتضليل، وبعيداً عن الأقواس والإشارات والمعادلات دخل فايز خضور تلافيف دماغ المواطن العربي، وقدم همومه بشكل واخز و مؤلم، دون أن يلجأ إلى التخدير المتفائل والممرض في كثير من الأحيان:
ماأسهل أن يختار فقير حبه
لكن ماأصعب أن يختط فقير دربه
تحت سياط النفي وسحق الغربه
ياهذا الوطن العربي
أأراهن وحدي؟!
واللوم على الخيل، أو على الخيّال
هل يجدي؟!
يكبو أو تجمح، تكبو أو يجمح، كل مسؤول..!
يوم الهرب، ويوم صمود النصر
والقاتل، مهما غيّر من أقنعة
تبقى تعول، في هاجسه القذر
دماء الشعب المقتول!
فالحلبة مازالت قائمة
وسماسرة اللعبة تثري بالغدر
وتملأ، بالجهل وبالتضليل، الأذهان..!!
إنها قصيدة فايز خضور الحديثة، فهل بإمكان أحدهم أن ينفي كليتها - وهي جزء من نص كامل -؟ وهل بإمكان أي شخص أن يدّعي غموضها؟ وهل بإمكان أحد أن ينفي وجود الرؤية، بل الرؤية المتكاملة؟ فمن الهم اليومي للإنسان، إلى الهم السياسي، إلى أسئلة في الوجود والمجتمع والحياة، لأنه مامن شيء في رؤية الشاعر يمكن أن ينفصل عن الآخر، فما من نصر يأتي بوجود الجهل والتضليل، ومامن مستقبل في ظل وجود السماسرة وتجار الشعوب والأوطان...
لذلك ينهي فايز خضور هذا النص الجميل بخاتمة معبرة:
ياوطني، سأراهن بالفعل وبالكلمات
مادامت في الكون جراح الثورة
مادام ملايين الفقراء
يبكون معي
ويغنون معي
وغداً يبنون معي، وطن المسحوقين الشرفاء!.
يختتم خضور نصه بالانبعاث من الشريحة الاجتماعية نفسها التي انطلق منها، وهي شريحة الفقراء، وهو واثق من الغد القادم لا لشيء، إلا لمنهجيته في الوصول إلى الحلول، وذلك من خلال المراهنة بالفعل والكلمة، فالإيمان ماوقر في القلب وصدّقه اللسان، لامجال للمراهنة بالكلمة الشعرية وحدها لأنها تملك التحريض وحسب، ولا مجال للإنجاز الحقيقي بالعمل دون الكلمة، فالكلمة ورقيها وشرفها هي التي تحدد نوعية العمل وغاياته.

فلسفة الأشياء
مع أن الدكتور ساعي قدم دراسة أكاديمية عالية المستوى، إلا أن تاريخ صدور هذه الدراسة عام1976 يسوغ بعض الأحكام التي جاء بها، ويسوغ كذلك الخروج عليها بعد ثلاثين عاماً من التجربة الشعرية المضافة لكل شاعر من الشعراء الذين درسهم، فهو في الإطار العام يبين أن أدونيس برع في القصيدة الكلية، وأن خضور ومحمد عمران تعثرا بعض الشيء، لكنه في الحكم الكلي على التجربة يظهر أن الدواوين الأحدث لخضور أكثر نضجاً وقرباً من القصيدة الكلية، ومتابعة تجربة خضور الشعرية تبرز العمق في فلسفة الأشياء والابتعاد عن المباشرة أكثر، مع بقاء الوضوح والفهم سمة من سمات شعره وتجربته:
تلك أعراسنا، بعض أعراسنا المبهجات!
وحدكِ الآن مدعوة للقيام
بعقد القران الجحيمي في كرنفال الحضارات،
ياأمة كرّسوها ذبيحة مسك الختام
أرقي طال بي، فاتسع
أيها الزمن الحجري، اتسع قيد إشراقة
لم تزل بيننا صحوة الوعي
نضاحة بالينابيع تسقي كروم الشآم.
من يقرأ هذا المقطع، ويتابع ما قاله شعراء الخطابة في الموضوع ذاته يدرك إلى أي مدى كان حزّ السكين في حنجرة فايز خضور وقصيدته.

إسقاط الخاص على العام
لا يمكن لقارىء متابع أن يقرأ فايز خضور دون الوقوف مطولاً عند مجموعته (آداد) التي شكلت منعطفاً حقيقياً لديه في الفكر والقصيدة، فهي تقترب به من أبي فراس ورغبته في التفرد والانعزال، وتجنح به نحو الشعراء الأوربيين المنكوبين، وتعود به إلى التراث ووصايا لقمان الحكيم لولده، ولكن أي وصايا؟!
بحنكة المبدع، وبراعة القصيدة أسقط الخاص على العام، وخرج من إهاب اللحظة لتصبح اللحظة شعورية صادمة لكل قارىء.
آداد
إن جاء خسيس يستعطيك ضياء،اكسف وجه الشمس!
واخسف بدر العتم بزيت القار
واحرم نطق الأنجم من كلمات النار
دوّم صوتُ نفير الثورة، يلفق مذي البحر بخاصرة الوديان
من يجزع أن يتقحم ويلات الثورة
فليتجشم إعلان العصيان
ليس أمام القتل نثارة وقت للصلوات وللأعذار
في هذا الوقت الأضيق من خرم الإبرة!!

فايز خضور الناثر
لم يقتصر فايز خضور على كتابة القصيدة، بل كتب النثر بنوعية الصحفي والفني، وقد جمع كتابته النثرية الفنية في كتابه فضاء الوجه الآخر، وهذا دليل على موقف الشاعر من الكلام المنثور،فهو لم يضمه إلى أشعاره كقصيدة نثر، مع أنه أجمل بكثير من الشعر المنثور لدى عدد من الشعراء، بل اكتفى بأن يكون شاعراً أصيلاً في الشعر، وناثراً محلقاً في النثر.
أما الصحافة، فبحكم تفرغ فايز خضور في عمله الوظيفي لم ينقطع عن الكتابة الصحفية للزوايا والأعمدة، والتي شكلت له راحة من القصيدة وأجوائها، وقد استطاع أن يكرس حضوره بين كتاب الأعمدة والزوايا المهمين في إثارة موضوعات حارة، وبلغة أقرب ما تكون إلى رمزه الشعري وأبعاده العديدة.

التقصير طبيعتنا
عرفت فايز خضور عام1994 ، ولاأزال ألتقيه على فترات تتقارب وتتباعد، فعرفت فيه المبدع الجميل الذي يبتدرك بالسلام والتواضع، وتجلس معه دون أن يشعرك بطول تاريخه، ينتقل – كما كان- بين مكتب وآخر بحيوية الشباب، ويتنقل بعينيه الذكيتين بين الوجوه التي تستوقفه، ويحرص كل الحرص على كل فاصلة من شعره، وأذكر بأنني مرة أشرت بأنني أقدّم مختارات فطلب الاحتفاظ بشكل الأسطر وتقسيماتها وعلامات ترقيمها، لأنها تشكل شيئاً في بنيان الشعر.
لايزال فايز خضور بقامته الشعرية منذ عام 1958 يعاني آلام الأمة ومخاضاتها وانتكاساتها ونجاحاتها، ولايزال الأمل يحدوه بقيامة الأمة، ومع ذلك لانجد تعريفاً كافياً بهذا الشاعر، ولانجد دراسات يستحقها، مع أن أي وطن آخريملك ربع موهبته كان سيجعل منها قامة كبيرة كبيرة، ونحن أنفسنا لو جاءنا صوت شعري أقل من قامته بكثيرمن الخارج لابتهجنا به!
فايز خضور تحية إليك أيها الشاعر الجميل، ودعوات بسلامتك وألقك الشعري الذي لم يعد جزءاً من الشعر الحديث فقط، وإنما صارجزءاً من تاريخ سورية...

نص

للطفولة
دفتر من زبد الوقت، وحبر من رماد
أيها الإرث الموشى بالسواد
ضجر العالم من علك الحكايا
لجأ الربّ إلينا: من يقود القافلة؟!
جمل أم حافلات؟!
وردة أم قنبله؟!
لعنة أم صلوات؟!
خنجر أم سنبله؟!
أنقذي الأطفال ياريح، من الإرث الرفات
والبكاء المهزلة!!


فايز خضور

شاعر سوري مجدّد، وصاحب تجربة خاصة ومتميزة.
ولد في القامشلي عام 1942.
درس الأدب العربي في جامعة دمشق.
قضى حياته في عالمي الصحافة الثقافية والأدب.
تفرغ في حياته الوظيفية في اتحاد الكتاب العرب.
شارك في تظاهرات أدبية محلية وعربية ودولية.
له مجموعات شعرية عديدة منها : الظل وحارس المقبرة، صهيل الرياح الخرساء، ويبدأ طقس المقابر، آداد، نذير الأرجوان...
له مختارات نثرية في الصحافة الثقافية.
له مقالات نثرية طبعت في كتاب ( فضاء الوجه الآخر).
صدرت أعماله المتكاملة عن وزارة الثقافة السورية عام2003.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة