الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 21 تاريخ 1/2/2007 > من المنجمين اليهود والهنود إلى العرب!!
من المنجمين اليهود والهنود إلى العرب!!
جهينة-خاص:

قبل عام 2000م كان الحديث في الأبراج طريفاً وغريباً، وكان الذين يتحدثون فيه قلائل، وغالباً ما كانت تقابل قراءاتهم بشيء من الاستهجان، وسرعان ما ينساها المرء، إذ تقتصر على مشهيات للغرام والحياة، وقبل هذا التاريخ نشرت وسائل الإعلام أخباراً عن عرّافين ومتنبئين في الهند وغيرها من بلدان العالم، ونشرت أخبار الساسة العرب، وعدد من الشخصيات المهمة التي تذهب إلى تلك البلدان بغية معرفة ما ينتظرهم من أحداث! وصحافتنا العربية كانت تنشر إعلانات عن عرافين وعرافات في عدد من البلدان العربية، ولكن مع دخول الألفية الثالثة تغيرت الأمور.

المزيد من الأبراج الحصرية
كان العرب من المحيط إلى الخليج يتابعون قراءة الطالع لما فيها من متعة و تسلية، واكتسبت شخصيات قارئي وقارئات الأبراج مكانة عالية إعلامية واجتماعية، ووصل هؤلاء إلى مكانة لم يكونوا في انتظارها..
ومع انتشار الفضائيات العربية غير المجدية صار هؤلاء يوزعون أوقاتهم على مختلف القنوات، ولكن مع مرور الوقت وجدت القنوات الفضائية ضرورة التميز، وعمدت إلى طرائق صناعة النجوم، فاختارت كل قناة شخصية نسائية على الغالب، لا تملك أي مؤهلات، وصارت القنوات تتفنن في طرائق عرض التوقعات وقراءتها، وتبنت كل قناة واحدة من هؤلاء، وصارت تطبع لها كتبها وتوزعها، وتجري لها عمليات تجميل لتصبح أكثر قبولاً من الناس، ولجذب أكبر عدد من المشاهدين، وبما أن المشاهد العربي ظمىء للتوقعات وهو شعب قدري، فقد استطاعت هذه القنوات أن تكرس نجومها من ماغي فرح إلى كارمن إلى... إلخ، وإلى أسماء لم نكن نسمع بها، وكل واحدة منها - باستثناء ماغي فرح- تسبق اسمها بكلمة عالمة الفلك، بينما بقيت ماغي تضع صفة الإعلامية، وهذا يحسب لها، لكن أين تعلمت هذه العالمة أو تلك؟ كيف تعلمت؟ وأين شهاداتها؟ وكيف وصلت إلى الفلك دون سواها؟
تجارة لابأس بها ولكن!
من حق أي شخص أن يبحث عن وسائل تحسين حياته، كما أن من حق الجمهور أن يقبل بهذا النوع أو لايقبل، وذلك تبعاً لسوق العرض والطلب، وما من اعتراض أن يكون كتاب طه حسين بمئة ليرة وما من أحد يشتريه، بينما كتاب الأبراج بألف ليرة، ويجد من يشتريه، فهذا يخضع لمنطق التجارة والعرض والطلب، مع إيماننا بخطورة مثل هذا التحول عن الفكر والثقافة، ولكن من متابعتنا لهذه البرامج والأبراج ولسنوات طويلة نطرح مجموعة من الأسئلة:
مادام العلم هو الذي يحكم أصحاب الأبراج، فلماذا نجد خلافاً في قراءتها؟
لماذا لا يثبت كل عالم أو عالمة في بداية كتابه الطرائق العلمية لمعرفة الأبراج؟.
لماذا يلجأ كل هؤلاء إلى عبارات عامة وعائمة تصلح لكل زمان ومكان؟.
الدخول في معترك السياسة
يمكن لأحدنا أن يقبل الاحتيال والتسلية بنفس رضية، بل يبحث عمن يسلبه بعض وقته وماله للتسلية، لكن الأمر تعدى هذا الجانب، ليدخل في الجانب السياسي الخطر، فنجد حصرية القنوات تسهم في حصرية الانتماء السياسي، فالأبراج من هذه القناة تسخر لخدمة توجه أصحاب القناة وأبراجهم، وكذلك القناة الثانية والثالثة والرابعة وهكذا، حتى تحولت الأبراج إلى سلاح إعلامي من جهة ضد أخرى، وكأن العرب لايكفيهم ما فيهم من فرقة وضعف وخوف!
نقف عند هذه النقطة لأننا ندرك أن المشاهد العربي بدأ يقرأ مستقبله ومستقبل بلده والأحداث القادمة من خلال الأبراج وأصحابها.
قارىء الكف المشهور وليد جنبلاط تنبأ بالاغتيالات أكثر من مرة، وأعاد الفكرة حتى صار العربي مستعداً لمتابعة الاغتيال دون أي دهشة، فهل يؤدي هؤلاء الدور نفسه لإقناع المشاهد بالاغتيالات والانهيارات القادمة؟!
منجمو اليهود عادوا
في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته شاعت ظاهرة التنجيم والمنجمين في شوارع دمشق وأطرافها ووصلت إلى المحافظات الأخرى، وأذكر أن هؤلاء المنجمين كانوا من المغرب العربي، وكل واحد منهم يحمل اسم (حاج عمر)، وكان هذا المنجم يضع تنبؤاته بين أيدي الناس، ويعدهم بالعودة في العام القادم لمراجعة النتائج، وما أذكره أن الكثيرين كانوا يلتزمون بتوجيهات المنجم وقراءاته، بل إن بعضهم كان يحجم عن العمل لأن الحاج عمر أخبره بضرورة عدم مباشرة هذا العمل في هذا الشهر أو اليوم أو العام، وقال هؤلاء المنجمون بأنهم تعلموا التنجيم على أيدي مشاهير التنجيم اليهود الذين يملكون قدرات خارقة في التنجيم!
وللتدليل على صدق هؤلاء أذكر حوادث أحدها كان في العام الماضي في الساحل السوري:
الحادثة الأولى: عدد من المنجمين يتحدث عن الإيمان ويقرأ الآيات القرآنية، لكنه لايتوجه إلى القبلة!
الحادثة الثانية: عدد من المنجمين كان صاحب عين زايغة يسعى ضمن ما يسعى إليه إلى العهر، وقد يغري إحدى المغفلات، وكبار السن يذكرون هذه الحوادث.

الحادثة الثالثة: رويت لي، فأحد هؤلاء المنجمين دخل أحد البيوت في الساحل السوري، ومارس الإيحاء والتنويم المغناطيسي، والسيطرة حتى سلب المرأة كل أساورها وذهبها.
الحادثة الرابعة: أحد المنجمين طلب من المرأة الجاهلة أن تضع ذهبها في كيس لصهره ومضاعفته، فوضعت كل ما لديها، لتخرج الأساور من الجانب الآخر براقة جميلة، وبعد رحيل المنجم تبين للمرأة أن الذهب الحقيقي ذهب مع المنجم ، وما تبقى لها دزينتان من الذهب الفالصو!!
مع فداحة الخسائر التي يمكن أن يذكرها الإنسان، والتي يعجز عن ذكرها، إلا أنها تبقى في إطار الغفلة، ولو أن أحدهم رفض التعاطي مع هؤلاء فإنه لن يقع ضحية لهم. أما كيف يمكن له أن يهرب منهم في مجال السياسة والمستقبل؟
منجمون على الشاشة
تجاوز الأمر حدّ التسلية بالأبراج، ليصل إلى حد التنبؤ والتنجيم، وإن سئل أحدهم عن التفاصيل يعتذر، فهو إما أنه يقرأ العموميات! أو أنه يحتفظ بالتفصيلات لنفسه!
ولو تابع أحدنا هذه التنبؤات فسيجد:
توجهها العام خاضع للقناة وتوجهها السياسي.
توجه المنجم مرتبط بالجهة الاستخباراتية التي تسمح له بالرؤية.
توقعات كل منجم أو عالم كما يريد أن يسمي نفسه تنطلق من واقعه.
والغريب الذي لاينتبه إليه العامة عموماً أن كل واحد منهم صادق في نهاية العام، بل ويطالب أن يجري مقابلة في نهاية العام لمراجعة مجمل توقعاته، ولو أجريت المقابلة فهو صادق حتماً، والسبب بسيط، فما من أحد منهم لم يتنبأ ب:
مقتل شخصية مهمة.
تأزم المنطقة.
مواجهات يخسر فيها أحد الأطراف.
فهل هناك عام لاتموت فيه شخصية مهمة؟ وما هذا الاكتشاف العظيم عن تأزم المنطقة؟
أما التأزم، فالمنطقة أخذت أكثر من نصف قرن حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، ولا يعقل أن تأزم نصف قرن ينتهي بأيام، ولابد من وجود تصعيد في السنة المقبلة فأين الاكتشاف؟
أين الخطورة؟
أغلب وسائل الإعلام العربية ملكية لجهات مرتبطة، والخطورة تكمن أن أغلب المنجمين توجهوا حسب رأي محطاتهم، والمتابع الحيادي يقرأ ذلك التركيز على سورية بالتنبؤات الفلكية، وعلى شخصيات سورية، وقد سبق للتنبؤات السياسية أن مارست هذا التركيز، لكن ما لم ينتبه إليه الآخرون أن السياسيين أخفقوا في الوصول إلى ما أرادوه، فكيف ينجح المنجمون؟
الخطورة الحقيقية، والتي يجب ألا نتجاهلها أونخفف منها أن هذه التوقعات التي احتلت الشاشات العربية تتوجه إلى العامة، ولا تتوجه إلى النخبة أو الساسة، لذلك كان الخطر كبيراً، فمنذ أيام صدور التوقعات صار الناس يسألون أسئلة تدور في فلك التوقعات، بل إن بعضهم تأثر عمله وتجارته بهذه التوقعات!!
كان الساسة العرب يقصدون الهند لمقابلة العرافين، ولايزال بعضهم يفعل ذلك، وبعضهم يقصد المغرب العربي، فتباً لأوطان تدار بعقول تستلهم العرافين ورؤاهم!!
كلمة
سألني أحدهم أثناء مناقشة الموضوع، ألا تؤمن بالسحر؟ وبغض النظر عن الإجابة لأن المكان لايتسع لها، فإنني أفرّق بين السحر والتنجيم، وحاولنا الابتعاد عن الرأي الديني، الذي لو بدأنا به ، لكان النقاش مرفوضاً، فالدين يقول: كذب المنجمون ولو صدقوا! ونحن نتحدث عن التنجيم ولا نتحدث عن السحر، ومن يؤمن بوجود السحر لايؤمن بالتنجيم، ويفترض ألا يؤمن، وأذكر أن أحد هؤلاء المنجمين نظر في بطن امرأة منفوخ فقال لها: عندك صبي، وعندما ولدت، ولدت بنتاً، مع أن التجهيزات والثياب أعدت لاستقبال الصبي..
ومع ذلك فإن هؤلاء لم يصلوا إلى نتيجة مؤداها كذب المنجم، بل استقبلوه بعدها، مع عبارة: الله أعلم بما في البطون!! فلماذا لايكون الله أعلم بكل شيء غيبي عندهم؟!!
ترى لو تحرك الساسة بنشاط، وتغيرت مواقف بعضهم، وصحا بعضهم، وتمّ التعاطي مع الواقع بشكل مختلف فماذا سيحصل بتوقعات السيد حايك والسيد طنب وغيرهما من البرجيين والمتنبئين؟!
لو ملك هؤلاء قدرة معرفة الغد لغيروه لصالحهم، ولم يتركوا للمساكين مثلنا أي شيء، وقديماً قال المنجم للمعتصم، لا تغزو عمورية فإنها لن تفتح هذا العام، لكنه لم يسمع كلامه وفتحت عمورية، وقال أبو تمام:السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجد واللعب وهذا الإحساس بشبهة الأبراج والتوقعات وخطورتها ليس قراءة شخصية لأحدنا، وإنما هو تلمس حقيقي لما يقوله الشارع من مختلف أصنافه من المثقف الواعي وإلى المواطن العادي الواعي ، ولا تكاد تلتقي بأي شخص وتحاوره إلا وجدت لديه هذا الإحساس، وإن اختلفت وسائل التعبير عنه.
وقد التقت "جهينة" عدداً من المواطنين الذين أخذت آراءهم، وتدونها دون أية إضافة.
تقول دينا الطالبة في كلية الصحافة:
تأتي الأبراج من علم الفلك وهي تدرس تأثير الكواكب على حياة الناس وهذا المجال حيّر العديد من العلماء سابقاً إلى أن استطاعوا تحديد مفاهيمه وإيجاد بعض مفاتيحه.. فصاروا يدرسون علاقة الكواكب مع بعضها على أساس تأثيرها على حياة الأفراد.. لكن اليوم بتنا نشاهد علماء كثر لدرجة تحول فيها علم الأبراج إلى عمل من لاعمل له.. بل وصار هؤلاء يتوقعون تفاصيل صغيرة في حياة الناس.. وهذا لايجوز.. فإذا كانت الأبراج علم فالتوقع والتنبؤ ليس له علاقة بالعلم وإنما بمعرفة الغيب وماذا يخبىء لنا المستقبل من مفاجآت.. وأعتقد أن هذا التنبؤ حرام .. لأن الغيب وحده من علم الله سبحانه وتعالى.
أما كرمل المعاني فإنها تفسر تنبؤات علماء الفلك على أساس التحليل السياسي والبيولوجي للمنطقة، إضافة إلى لجوئهم لأسلوب التوقعات الكثيرة التي لاتحصى.. ومن هنا.. لابد لواحدة على الأقل أن تصبح واقعاً بعد فترة.. كما أن هذه التوقعات لايذكر العقل منها إلا ما ندر إلا أن الضجة الإعلامية الكبيرة والتذكير بصحة التنبؤات تُُظهر الشخص صاحب التنبؤات على أنه الإنسان الأعجوبة الذي يعلم بالغيب ويستطيع إخبار الآخرين عن مستقبلهم... وتضيف: كما يجب التفريق بين علم الأبراج والتنبؤ بواسطة الأبراج، لأن الأبراج قائمة على دراسة الفرد وشخصيته الخارجية وأحياناً النفسية أما التنبؤ عن الأحوال الشخصية للفرد في المستقبل بواسطة الأبراج فهذا خرافة وخزعبلات..
لكن هيثم الكردي البالغ من العمر 26 عاماً يؤمن بالأبراج ويستمع إليها على الدوام وبرأيه غالباً ما تصيب..حيث يقول: إن التوقع السنوي من قبل المحطات الفضائية صار موضة واقترب من المهزلة ولكني أؤمن ببعض الأشخاص فقط ، فمثلاً ميشال حايك يعتمد على حاسته السادسة وهذا ما أثبته العلماء فكل إنسان يملك هذه الحاسة.. ولكن هناك من يقويها وآخر لايأبه بها.. لكن هي مسألة تختلف من شخص لآخر.. و ميشيل حايك نفسه يقول: أنا لاأتنبأ لأن التنبؤ من علم الغيب ولكني أتوقع تبعاً لملكة منحني إياه الله عز وجل..
ولابد من ذكر أن هيثم يؤمن بالسحر ومارس بعضاً منه أيضاً.
وأجاب أحد الصحفيين أنه كان يقرأ الأبراج ويتابعها من باب التسلية والفضول ومضيعة الوقت ولكن عندما طلبت إحدى المجلات الصغيرة من صديقه كتابة الأبراج اليومية وهو لا يعرف من علمها إلا الضحك والهزل.. لم يعد يصدق ما يقرأ ولا ما يشاهد لأن صديقه هذا صار يكتب الأبراج يومياً وهو يضحك ويلعب..
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يقول: إن الأبراج والتوقعات والتنبؤات ما هي إلا حرب أخرى أعلنت علينا.. لأن أصحاب رؤوس الأموال لا يعرفون بأي طريقة يريدون فيها صرف أموالهم فيتجهون إلى أكثر الوسائل سهولة لإلهاء الشعب بقضايا تصرفه عن همومه اليومية، كما أنها وسيلة جذب أخرى لشراء الصحف والمجلات.
ويضيف: لاأعتقد أن الأبراج تؤثر على حياة الفرد بل البيئة والمحيط الذي يعيش فيه وعلاقته بالأسرة والمجتمع هي العوامل التي يتأثر فيها الفرد ويؤثر فيها ويكوّن شخصيته على أساس تداعياتها النفسية والاجتماعية في ذاته الإنسانية.. وهذا متعلق بعلم النفس وتفسير الشخصية لأنه ينبع من الروح الإنسانية وليس الأبراج.
وتوافق السيدة فلك حناوي ذلك الصحفي حيث تقول: الأبراج ماهي إلا تفاهات ومضيعة للوقت فهي من ناحية تسطح عقول الشباب وتدفعهم إلى الإيمان بها وتصديقها مع أننا اليوم في عصر التكنولوجيا والتقنيات المتعددة، فبدلاً من التوجه إلى قراءة آخر المستجدات والمبتكرات العلمية ومحاولة تطوير قدراتنا الإبداعية نتجه إلى الخرافات للعودة لنظرية ما وراء الطبيعة وإلى المرحلة البدائية.. وهذا بالتالي يتعلق باللعبة السياسية لأن هناك بعض الدول تستهدف شعبنا المريض لإيصاله إلى شاطىء الموت بدلاً من شفائه وتقديم الدواء اللازم له.. ومن ثم لاحظنا هذه السنة ظاهرة خطيرة وهي انتشار موجة التنبؤات لأشخاص لم نسمع بهم مسبقاً في أي مجال علمي أو إبداعي وإنما هم عبارة عن بعض المرتزقة التي وجدت فيهم القنوات السياسية والقنوات الفضائية الأخرى وسيلة لجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين.
إذاً الفلك والأبراج علم خاص مستقل بذاته، وهناك من يدرس هذا العلم، لكن الذين يطلون علينا هل ملكوا هذا العلم؟ أين تعلموه وأتقنوه؟
نحن بحاجة إلى معرفة الأسباب التي دفعتهم إلى الانهمار كالمطر على التوقعات السياسية الخاصة بالبلدان!
ومن يتذكر توقعات العام المنصرم لن يأبه لأي توقع يسمعه اليوم أو غداً!
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة