الجمعة, 6 كانون الأول 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 9 تاريخ 1/2/2006 > خير الدين الزركلي صوت سورية الشعري وصاحب الأعلام
خير الدين الزركلي صوت سورية الشعري وصاحب الأعلام
ليس اسماً عادياً اسم خير الدين الزركلي، فلم يكن شاعراً وحسب، ولم يكن مصنفاً مؤلفاً فقط، ولم يتربع في عالم الأدب دون أن يغادره، بل كان سياسياً، شعراً وتأليفاً وموقفاً طول حياته، وكان صحفياً رائداً بامتياز في الصحافة العربية، حيث أصدر عدداً من الدوريات التي لم يكتب لها الاستمرار بسبب الاحتلال وأحكام الإعدام التي لاحقته من ساعة دخول المحتل الفرنسي إلى سورية..
خير الدين الزركلي ابن دمشق الذي أحبها أكثر مما أحب أي شيء آخر في حياته، فرح لفرحها، وتألم لألمها، وعلى الرغم من اغترابه وحصوله على الجنسية العربية بقيت دمشق فرحته ودمعته وحياته التي أحبها بكل تقلبات علاقته معها.. وخير الدين الزركلي ابن دمشق أبى إلا أن ينسب لسورية فضل تصنيف أهم معجم في التاريخ العربي المعاصر، فكان معجم الأعلام الذي طبع في دمشق بطبعته الأولى، وقد قام على طبعه سيد الوراقين أحمد عبيد رحمه الله.

الشاعر السوري- الصوت السوري
إن من يقرأ في كتب التاريخ، خاصة في مرحلة عصر النهضة وما تلاها يجد أن أغلب المثقفين العرب في سورية ولبنان تركوا البلاد وتوجهوا إلى القاهرة للإقامة فيها بسبب بطش القوات العثمانية على هذين البلدين لقربهما الشديد من تركية، بينما كانت مصر منذ ولاية محمد علي باشا تعيش ما يشبه الحكم الذاتي في الدولة العثمانية مترامية الأطراف، ومن هؤلاء الذي رحلوا أبو خليل القباني وعبد الرحمن الكواكبي وجورجي زيدان، ومي زيادة وغيرهم كثير، وأسسوا في مصر نهضة أدبية عالية المستوى، وصارت مصر تفاخر بهم، وتفخر على العرب بأدبائها من محمود سامي البارودي إلى حافظ وشوقي والرافعي وغيرهم.
وقارئ التاريخ يجد أن الأدب العربي شعراً ونثراً وقع تحت قبضة الرؤية المصرية، وتحوّل الأدب العربي إلى تابع للجغرافية المصرية.. ومع بروز أصوات شعراء مثل:
خير الدين الزركلي ومحمد البزم وشفيق جبري وخليل مردم وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل ونزار قباني صرنا نسمع عن خصوصية الشاعر السوري –الصوت السوري، وكانت الأسماء الأربعة الأولى صاحبة الفضل الأول في التأسيس، وتحملت الأعباء الكبيرة من أجل الحصول على التفرد في الصوت السوري والصورة الشعرية الخارجة من قلب المجتمع السوري.. وخير الدين الزركلي عمل كثيراً على هذا الأمر حتى صار لسورية شاعرها الخاص وصوتها، وعن ذلك يتحدث الشاعر الراحل أحمد الجندي في كتابه الجميل (شعراء سورية) فيقول: "لقد كان في خير الدين الزركلي لسورية شاعر، إنه شاعرها الخاص، وكانت فيما سبق تعتمد في أحداثها على شعر حافظ وشوقي المصريين، وشعر الرصافي والزهاوي العراقيين، وشعر بشارة الخوري وشبلي الملاط وخليل مطران اللبنانيين.".
فخير الدين الزركلي إن لم يكن أول الشعراء السوريين بصوته ونكهته، فهو من الأوائل الذين أسسوا لخصوصية شعرية سورية.

خير الدين الزركلي ودمشق الحبيبة
ولد خير الدين الزركلي في بيروت لأبوين دمشقيين في وقت لم تكن الحدود الفاصلة بين الولايات قادرة على مانراه اليوم من فصل حاد، عاد إلى دمشق، ورجع إلى بيروت، وعاد إلى دمشق، سافر إلى عمان، أقام في القاهرة، استقر في السعودية، لكنه في الأحوال جميعها كان الدمشقي المتجذر في دمشق، العاشق لها في حسنها وجمالها، الراثي لحالها في الألم والحزن.. لم تبرحه دمشق في أي لحظة من لحظاته، ولم تغادره في أي سكنة من سكناته، وانطلاقاً من تميز صوته السوري يتحدث الأستاذ أحمد الجندي، كما يفعل ذلك الدكتور سامي الدهان في كتابه الرائد (الشعراء الأعلام في سورية) عن شعره في سورية ودمشق مقابل ما كان يُنظم من شعر شعراء غير سوريين في الأوقات نفسها، ويتجرأ الأستاذ الجندي بعلمية على الموازنة بين عاطفة شوقي في رائعته (نكبة دمشق) وعاطفة الزركلي في قصيدته (بين الدم والنار) ونحن هنا لسنا في مجال المقارنة، لكننا نعرض بعض أشعار الزركلي في دمشق والتي نرددها، والكثيرون لا يعلمون أنها للزركلي، والزركلي يفخر بانتمائه حين يقول:
قالت: أمن بطحاء مكة جارنا
قلت: الهناء لمن دعوت بجارك
أنا من دمشق، وقد ولدتُ بغيرها
وسكنت أخرى، والحنين لدارك

أما قصيدته الوطنية الموفقة والتي تركت أثراً لم يتركه شعر آخر، فهي القصيدة الرائية، والتي ألقاها في مصر كما يذكر الدكتور سامي الدهان نقلاً عن الكتب التي أرّخت للمرحلة. ففي حفلة لإعانة المنكوبين أقيمت بمصر 1926 تبرع فيها كرام العرب بمصر لإخوانهم في الشام، أنشد شوقي قصيدته السائرة القافيّة (سلام من صبا بردى أرق) وأنشد الزركلي قصيدة كانت موفقة في روعتها وصدقها ووصف الفاجعة افتتحها بقوله:
الأهل أهلي والديار دياري وشعار وادي النيربين شعاري
وهذه القصيدة قيلت بعد ضرب الفرنسيين دمشق بالقنابل، ومنها نختار هذه الأبيات:
ما كان من ألم بجلق نازل
واري الزناد فزنده بي واري
دمعي لما منيت به جار هنا
ودمي هناك على ثراها جاري
النار محدقة بجلق بعدما
تركت حماة على شفير هار
الطفل في يد أمة غرض الأذى
يرمى وليس بخائض لغمار
صبرت دمشق على النكال ليالياً
حرم الرقاد بها على الأشفار

أما قصيدة الزركلي الدامية الدامعة فهي قصيدته نجوى التي تعبّر عن أحاسيس السوري المنتمي إلى وطنه خير الانتماء وهو يتشوق إلى وطنه بعد أن صار بعيداً عنه:
العين بعد فراقها الوطنا
لا ساكناً ألفت ولا سكنا
ريانة بالدمع أقلقها
أن لا تحس كرى ولا وسنا

هاتان القصيدتان وأمثالهما في ديوان الزركلي تظهران بما لا يقبل الشك تمسكه بوطنه وحبه له إلى درجات تفوق الوصف إحساساً وانتماءً وفكراً.

الأعلام أهم معجم عربي معاصر
في دراسته عن الزركلي يأسف الأستاذ أحمد الجندي لأن الشاعر انشغل بالتأليف، ويرى أن الشاعر يجب أن يخلص لشعره وحسب، والزركلي بنظره شاعر مهم جداً وكان من الممكن أن يعطي شعراً أكثر وأفضل لو أخلص للشعر، لكن الحقيقة تقول غير ما يقول الأستاذ الجندي، فاسم الزركلي يتردد في كل مكان، ولا غنية لأي باحث أو دارس أو مثقف عن كتابه الموسوعي الأعلام.
إن موسوعة معجم الأعلام للزركلي استطاعت وبجدارة أن تأخذ مكان الصدارة في المكتبة العربية الحديثة، ولو أراد الباحث أن يكون منصفاً فإن كتاب الأعلام واحد من أهم عشرة كتب صدرت في القرن العشرين باللغة العربية إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وذلك لعدة أسباب أوجزها بما يلي:
1- توقف التصنيف في التراجم العربية منذ زمن واعتمادنا على الكتب الوافدة.
2- استيعاب موسوعة الأعلام للأعلام منذ القدم وحتى الوفيات الحديثة إلى زمن الزركلي.
3- تغطيته لحقبة زمنية معاصرة لا تسعفنا الكتب الأخرى بمعلومات حولها.
4- عدم اقتصار الزركلي على العرب، بل استوعب المستشرقين.
5- تغطيته لجانب المرأة العربية والترجمة لها.
6- وجود نماذج من الصور والرسائل والخطوط التي نفتقدها في الكتب العربية المماثلة.
7- سهولة التعامل مع كتاب الأعلام.
8- التطوير المستمر للمعجم، إذ لم يكتف الزركلي بإعادة الطباعة سنوياً، وإنما كان يطبع عدداً محدوداً من النسخ، ثم يقوم خلال العام بإضافة التراجم الجديدة الممكنة، ويضمها إلى الطبعة الجديدة، ولهذا بدأ الكتاب بثلاث مجلدات، وانتهى بعشر مجلدات ضخمة.
ويمكن أن نتعرف إلى قيمة ما قام به الزركلي في هذا الكتاب إذا ما نظرنا إلى مرحلة ما بعد رحيل الزركلي، إذ حاول عدد من الباحثين الأفاضل أن يصنعوا تتمات لموسوعة الأعلام، وصنعوا لكنهم لم يستطيعوا أن يجاروا منهج الزركلي وحياديته العلمية، وقرأنا مقالات مطولة تنتقد أعمالهم، ولعل أقربهم إلى منهج الزركلي ما صنعه الدكتور نزار أباظة وزميله من حيث المنهج والحجم والحرف.
ويبقى كتاب الأعلام علامة من علامات التصنيف في القرن العشرين، ومن علامات الزركلي الفارقة، والباحثون يعرفون أن هذا الكتاب لا يذكر إلا بقولهم أعلام الزركلي.

الزركلي وكتابة التواريخ الخاصة
ربما قصد الأستاذ الجندي وغيره من منتقدي الزركلي وتآليفه هذا النوع من التأليف، وإن كانت هذه التآليف مقصودة فإنهم على حق، لأنها لم تترك أثراً يذكر عند غير المعنيين مثل: شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، والوجيز في سيرة الملك عبد العزيز، كما يندرج تحت هذا النوع من التصنيف رواياته التمثيلية التي لم تكن مماثلة للفن الروائي التمثيلي مثل: ماجدولين والشاعر، وفاء العرب، نقول، صفحة مجهولة من تاريخ سورية في العهد الفيصلي. وإذا أردنا أن نكون منصفين، فمن الأفضل أن نضع مثل هذه المؤلفات في سياقها التاريخي، وضمن ظروفها الحقيقية، فالزركلي الذي عاش حياة متقلبة بين عدد من البلدان العربية، والذي كان محكوماً بالإعدام لفترة، والذي كان معجباً بالملك فيصل حقيقة عند ذاك يمكن أن نجد لهذا النوع من التأليف عند الزركلي عذراً.

الزركلي والمرأة
إن طبيعة الزركلي ونشأته جعلت نظرته للمرأة مختلفة، ففي هذه النظرة الكثير من العفة والاحترام أصلاً، وطبيعة الحياة السياسية التي يعيشها العصر العربي آنذاك حصرت اهتمام الشعراء ومنهم الزركلي في العمل السياسي، إضافة إلى ذلك، فإن عيش الزركلي مغترباً في القاهرة ومقيماً في العربية السعودية ترك أثره في شعره، فهو يعيش في مجتمع مختلف عن طبيعة حياته الأولى، وكان من الحكمة ألا يكون شاعراً متغزلاً إلا ضمن الحدود المسموح بها، وما نظمه الزركلي في غزله يوحي برقة لا تدانى:
رويد خطاك لا تسبق خطاها
عسى اللفتات مسعدة عساها
نشقتُ عبيرها تمشي الهوينا
وتنبعث النسائم من شذاها
فما كانت سوى الخلسات حتى
تلاقى ساعداي وساعداها

الزركلي والقضايا القومية
مع أن الزركلي شاعر وطني وسوري بامتياز، لم يترك شاردة في وطنه إلا وتحدث عنها، إلا أنه كان صاحب إحساس قومي عال، إذ تحدث عن معاناة الشعوب العربية الأخرى، وناجى البلدان العربية بأرق ما تهيأ من شعر، وها هو يتحدث عن ثورة الجزائر عام 1961:
وفي أفق الجزائر وهج نار
وقود لهيبها غير الوقود
هشيم سعيرها جثث وهام
ممزقة الغلاصم والجلود
تحوم العين فيها حول دور
مرشقة بلطخ دم جميد
تفانى أهلها في الذود عنها
سراعاً بالزناد وبالزنود
وله قصائد أخرى في السعودية والمغرب ومصر ولبنان وفلسطين.

وأخيراً:
لم يكن خير الدين الزركلي شاعراً ناظماً، بل كان شاعراً محلقاً وكاتباً مبدعاً وممثلاً لسورية والوطنية فيها أصدق تمثيل، عاش لسورية محباً، وتنقل في كل البلدان حاملاً شامه في روحه وضميره ووجدانه إلى أن أسند رأسه إلى تراب القاهرة مودعاً الدنيا وعلى لسانه قوله:
إن الغريب معذب أبداً
إن حلّ لم ينعم وإن ظعنا
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة