الجمعة, 6 كانون الأول 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 9 تاريخ 1/2/2006 > صرخة نساء أعيتهن ظروف العمل وأرهقتهن الحياة... فتمنين الانفكاك منه
صرخة نساء أعيتهن ظروف العمل وأرهقتهن الحياة... فتمنين الانفكاك منه
جهينة- وداد صالح:

حوّلتني الظروف إلى متسولة
ولكن (تشعر بالمهانة)
كانت يداها ترتعشان ولسانها يتلعثم وهي تردد على مسمعي عبارات مديح وتفخيم لبعض منتجات التجميل الرديئة، من الواضح أنهم حفّظوها إياها عن ظهر قلب، كانت شابة تفيض جمالا وشفقة وترتعش بردا وخيبة بعد أن طرقت معظم أبواب البناء من دون أن يشتري منها أحد أية قطعة.
بعد دردشة قصيرة معها اكتشفت بأنها خريجة جامعية ولأنها من أسرة فقيرة فقد اضطرت للعمل كمندوبة مبيعات بعد أن يئست كآلاف مؤلفة غيرها من الحصول على فرصتها الطبيعية (المحترمة) في إحدى المؤسسات العامة أو الخاصة.
تقول ( لبنى سليمان ) أكره هذه المهنة التي سبق وعرضتني للكثير من المواقف المهينة والمحرجة بالرغم من حداثة عهدي بها، حيث أنني أخرج كل صباح من مكتب توزيع مستحضرات التجميل محملة بعدد معين من القطع بعد أن يتم توجيهي إلى إحدى المناطق لأطرق الأبواب شأني شأن أية متسولة لا أختلف عنها بشيء سوى بشعوري بمرارة تنبع من كرامتي التي أهدرها يومياً، وتضيف: "أحلم بأن يعود ذلك العصر الذي تمنع فيه النساء من العمل ويتم إلزامهن البيوت معززات، لقد حوّلتنا الظروف الصعبة إلى متسولات للقمة العيش، فقدنا كل إحساس بالأنوثة والكبرياء، إنني أحقد كل الحقد على هذا الزمن الذي حطم أحلامنا وحولها الى كوابيس من عمل".
عملي الذي نحيا بسببه جلب
المرارة لي ولأطفالي
أصبح معتادا لدى الجميع رؤية السيدة (فاطمة الملقبة بأم محمود)، تحمل على حضنها طفلتها تسنيم وتمسك باليد الأخرى محمود الذي لا يكاد يقوى على المشي بينما علقت على كتفها حقيبة كبيرة مليئة بالأغراض، وهي تتجه كل يوم ذهابا وإيابا من والى وظيفتها، وذلك في جميع الظروف من برد وحر ومرض.
أصبح هذا الأمر معتادا لدرجة أن بعض الموظفين الذين كانوا يتبرعون لمساعدتها بدافع الشفقة أحجموا عن ذلك معتبرين أن أم محمود امرأة جبارة تقارع الظروف الصعبة التي قد يتعرض إليها أي أحد.
وأم محمود التي تعمل- في إحدى إدارات الدولة التابعة لوزارة الدفاع والتي لا يوجد في ملاكها حضانة أطفال – باتت تتحمل بصمت كل الملاحظات التي ترد من زملائها الذين يشاركونها نفس المكتب والتي تتعلق بسلوك طفليها اللذين أصبحا بنظر جميع الموظفين عنصرين أساسيين في الإدارة يشهد الجميع مراحل نموهما وتكوينهما.
تقول فاطمة: اضطررت للعمل تحت ضغط الحاجة، فزوجي سبق له وتعرض لحادث ألزمه الفراش مدى العمر وألزمني العمل مدى العمر أيضا... إن عملي خارج المنزل يضاعف مسؤولياتي تجاه بيتي وزوجي وطفليّ اللذين يستقبلان في جسدهما الضعيف أنواع مختلفة من الأمراض بسبب طريقة العيش التي أرغمتنا الحياة عليها"وتضيف" لا لست أبداً مع عمل المرأة خارج المنزل لأنني من واقع تجربتي الشخصية رأيت أن ذلك يعني المرارة لها ولأولادها، ولو تُرك الخيار لي لتركت العمل فورا والتزمت البيت، فالرسالة التي تحملها ربات البيوت رسالة عظيمة مهما حاول البعض التقليل من كفايتها، وأظن أن الحاجة المرة فقط هي التي تدفع معظم النساء للعمل في مثل تلك الظروف السيئة.
أحلم بأن يأتيني عريس يطلب
مني الاستقالة والتفرغ للبيت
تقول( وعد داؤود التي تعمل سكرتيرة في إحدى المكاتب الخاصة بدمشق) "منذ أن كنت طالبة جامعية في السنة الثانية في كلية الاقتصاد وأنا أعمل أي منذ حوالى ثماني سنوات وذلك كي أوفر مصروفي وأساعد أهلي، لقد أرهقني العمل وحرمني من متابعة حياتي الطبيعية فعدد الساعات التي أقضيها هنا تتراوح بين التسع والعشر ساعات موزعة على دوامين، لقد تحوّلت بفضل هذا العمل من فتاة مليئة بالأحلام و مقبلة على الحياة ومندفعة للعمل إلى أخرى تتمنى لو يأتيها ذلك العريس الذي يطلب منها التزام البيت" وتضيف" في الماضي كنت أنعت الرجل الذي يقدم على ذلك بأنه متخلف أما اليوم وبعد تجربتي الصعبة أخذت أنظر إليه على أنه بمنتهى الرجولة خاصة في هذا الزمن الذي يبحث فيه الرجل عن امرأة موظفة، تضحك وعد ثم تقول: منذ فترة تقدم لخطبتي شاب وعندما علم أنني غير مثبتة -أي لا أعمل في وظيفة حكومية- غادر على الفور، قد لا ألومه فالحياة صعبة وتتطلب عمل الزوجين ولكنني سئمت ولم أعد أحتمل هذا الوضع".
أحسد ربات البيوت وأتمنى لو أني أستطيع
ترك العمل
تتحدث السيدة منال بيطار عن تجربتها" كنت ألهث وراء فرصة عمل ولم أترك بابا إلا وطرقته إلى أن حصلت على وظيفة في إحدى الشركات الخاصة براتب معقول ولكن بدوام طويل جدا، ولأنني بحاجة شديدة للنقود أمام دخل زوجي المتواضع ومتطلبات الأطفال والحياة التي لاترحم فقد قبلت الفرصة وقبلت معها تعبي ومسؤولياتي المضاعفة كما قبلت معها حرماني من أطفالي وقلقي الدائم عليهم فابني الكبير(سامر) في الصف الثاني الابتدائي يعود من مدرسته كل يوم وينتظر أخته (شذى) الذي يوصلها باص الروضة إلى باب البناء فيجلسا معا في البيت بانتظار والدهما الذي ينهي دوامه ومن ثم يعرج إلى منزل إحدى الجارات التي عهدت اليها بإبقاء طفلتنا الصغيرة سارة التي لا تتجاوز السنتين عندها مقابل مبلغ من المال، وعندما أرجع أنا من دوامي في السابعة مساء يكون بعضهم قد نام والبعض الآخر ينتظرني وفي عينيه جوع لحنان لا أستطيع أن أشبعه منه بسبب انشغالي بترتيب البيت وإعداد الطعام لليوم التالي لأنام بعد ذلك كالقتيل من شدة التعب والوهن خاصة أن عملي في الشركة متعب وأمور متابعة أطفالي على الهاتف تقلقني باستمرار"وتضيف" فقدت نكهة الحياة الأسرية وأصبحت أتوق للاهتمام بأطفالي – نسيت الحياة الاجتماعية ونسيت أقربائي وأصدقائي، حياتي كلها ركض وتعب ولا أستطيع أن أترك الوظيفة التي تعتبر الدخل الأساسي للأسرة، تتابع: "هذا العمل لم يحل مشكلتي بل فاقمها، إنني أحسد ربات البيوت اللواتي يتفرغن للمنزل والأطفال، وأتمنى من كل قلبي لو أني أستطيع ترك العمل والتفرغ لأطفالي وبيتي".
المكانة الكبيرة التي حصلت عليها في عملي لن تعوضني حرماني من طفل
" كنت أتصل هاتفيا في ساعات بعض الظهر ببعض صديقاتي لأسألهن ماذا يفعلن وعندما يخبرنني بأنهن يقضين أوقاتاً بين أطفالهن أو في المطبخ أو أمام التلفاز كانت عيناي تدمعان لأنني سجينة مكتبي الذي سلب مني أجمل مراحل عمري". وتتابع (سلام محمد التي تقترب من الأربعين): كنت أظن بأن العمل سيفتح أمامي أبواب المجد فواظبت على تعلم الخبرات واللغات ونسيت في غمرة العمل بأن العمر يمضي وبأنني لن أبقى تلك الشابة الصغيرة التي تريد شابا يماثلها خبرة وطموحا وعلما، أظنني اليوم نادمة على ما فعلت ولكن حدث ذلك في غفلة مني أو رغما عني فالحياة الاجتماعية كانت تقريبا منقطعة بالنسبة لي إلا من بعض الزملاء الذين كانوا يفضلون أخرى أقل جدية في العمل وأقل التزاما وأكثر مرحا".
تقول سلام بحسرة: "أتمنى لو أن الزمن يرجع إلى الوراء لأختار حياة أخرى غير هذه، ففكرة أنني قد أحرم من طفل يناديني ماما مدى عمري تؤرقني وتحرق قلبي، وهذه المكانة الكبيرة التي وصلت اليها في العمل لن تستطيع أن تعوضني ما حرمت منه أبداً".
قدمت استقالتي وأخشى من المجهول
تقول سهى الدويري " بعد أن سئمت مضايقات مديري الذي عينني فقط لأنني جميلة قررت أن أترك وظيفتي بالرغم من معارضة أهلي الذين أخفيت عنهم أمر المضايقات تلك خوفا من المشاكل، لا أدري ماذا أفعل فأنا بحاجة شديدة للعمل وشهادة المعهد الزراعي التي أحملها لاتؤهلني للقبول في الوظائف، إنني أحلم بالعريس الذي قد ينتشلني مما أنا فيه ولكن حتى ذلك الحلم بات صعبا جدا في أيامنا هذه"وتضيف" لولا حاجتي للمال لما فكرت أبدا في العمل".
أما السيدة (رحاب شمس الدين) فتقول: "أكره الساعة التي خرجت فيها للعمل لأن ذلك جاء على حساب بيتي وأطفالي ففي كل يوم أتحين الفرصة علّي أهرب من الوظيفة كي أرجع إلى البيت وأتابع مسؤولياتي وليت الراتب الذي أقبضه يكفي، فمع قلته أجد نفسي مرغمة على البقاء في الوظيفة".
إن المرأة التي كانت تطالب يوماً بحريتها وبحقها في دخول ميادين العمل المختلفة كمطلب إنساني واجتماعي باتت اليوم وبسبب الظروف الصعبة التي أحيطت بها في العمل أو تلك التي دفعتها للعمل، تطالب بالعودة إلى المنزل للتخفيف من حجم المسؤوليات التي ألقيت على عاتقها. إن المسألة أولاً وأخيراً هي في ظروف العمل التي في حال تحسنت فإن المرأة التي أثبتت جدارتها عبر مراحل تاريخية طويلة ستثبت يوما أنها الأجدر في زمن التكنولوجيا.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة