الأحد, 18 آب 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 9 تاريخ 1/2/2006 > زرع الأعضاء البشريةو الإتجار غير المشروع بها
زرع الأعضاء البشريةو الإتجار غير المشروع بها
..."مريض زمرة دمه (؟) بحاجة إلى كلية، فمن يرغب بالتبرّع الاتصال على الرقم التالي (؟)". إنه إعلان يمكن أن نمر عليه مرور الكرام دون أن يترك لدينا أية إشارة استفهام!!
لكنه أيضاً يمكن أن يتحول إلى مكيدة أو فخ!!... أولاً هو مصيدة لفقراء يئسوا من إمكانية تغيير حياتهم أو الاستمرار تحت خط فقرهم المزمن... فاكتشفوا فيه باباً وحيداً ممكناً لتحصيل مبلغ من المال يقيهم شرّ العوز.. ولذلك فهم مستعدون فعلاً لبيع أحد أعضائهم مقابل هذا المبلغ!! وهو أيضاً مصيدة وفخ، ولكن ضد صاحبه أحياناً صاحب الحاجة (المريض وذووه) إذ أن هذا الإعلان يمكن أن يجذب أيضاً بعض المحتالين والنصّابين (الصغار) الذي يئسوا هم أيضاً من إمكانية اصطياد ما هو أثمن وأهم وأكثر مردودية من عذابات الناس وآلامهم، فقرّروا الاستثمار في هذا المطرح الجديد أن دون يرفّ لهم جفن وبأبخس الأثمان غالباً!!
لكن ورغم ذلك يبقى هذا الإعلان في النهاية إعلاناً يخبئ وراءه مأساة ومعاناة لا يمكن أن يشعر فيها إلاّ صاحبها وبعض ذويه ربما!!
إنه إعلان بأن هناك من يصارع الموت وهو مستعد لدفع مبلغ من المال يجده بعض فقرائنا (محرزاً) لناحيتين أولهما أنه يوفّر بين أيديهم مبلغاً من المال لم يكونوا ليحلموا به عبر وسيلة أخرى، وثانياً لاعتقادهم بأنه قد يقربهما من الله ويكسبهما ثواباً في الآخرة!!
والأهم من هذا وذاك أنه إعلان تحذيري بما معناه "الله ينجينا من الآت"!!

تحقيق- علي حسون

ليسوا قلّة أبداً!
نعم.. لقد بات من هو مستعدّ لدينا لبيع أحد أعضائه مقابل مكافأة مادية لا تغني ولا تسمن من جوع.. تماماً كما يحصل في مصر والهند ودول أخرى يتغنّى فقراؤها بابتكار أساليب يمكن أن تكون الوحيدة الباقية لديهم للاستمرار على هامش الحياة!!
إذن.. لقد دخلنا حلبة السباق.. فالحياة هنا لم تعد تعترف بأقل من ذلك ثمناً للبقاء.. والمستعدون لدفع هذا الثمن ليسوا قلّة!! وأستطيع أن أؤكد لكم بأنهم يتكاثرون بشكل غير مسبوق.. وما عليكم للتأكد من ذلك سوى نشر إعلان في إحدى الصحف عن حاجتكم إلى (متبرع) مع وضع رقم هاتفكم.. بعدها ستجدون أن هواتفكم النقالة أو الثابتة قد تحوّلت إلى ما يشبه المقسم.. إنهم المتبرعون البائعون وقد اجتذبتهم رائحة الدم والمال!!
قبل سنوات ربما تزيد عن العشر.. كنا نسمع عن عصابات تقوم بقتل الأطفال والبالغين، أحياناً تنتزع أعضاءهم فتبيعها في سوق سوداء معظم أو كل زبائنها (كما كنا نسمع أيضاً) هم من الميسورين المستعدين لفعل أي شيء مقابل إنقاذ حياتهم أو حيوات ذويهم!! وهم غالباً من خارج الحدود ممن يدفعون بالعملة الصعبة!!
وكثيراً ما سمعنا عن فقدان أطفال أو (مجانين) وجدوا جثة هامدة بعد أن انتزعت بعض أعضائهم!!
اليوم وبغض النظر عن صدقية مثل هذه الأخبار أو عدمها فإنه لم يعد من حاجة لهذه العصابات أو أولئك المعتوهين والقاصرين، فالأمر أصبح أكثر علنية وأكثر مشروعية.. بات بإمكانك شراء العضو الذي تريد عبر إعلان صغير في إحدى الصحف.. ورغم عدم قانونية هذا العمل حتى الآن، فأن الجهات المعنية تغضّ النظر وتأخذ الموقف المحايد، موقف من لا يرى ولا يسمع وحتى إشعار آخر!!
تجربة حقيقية!
بعد أكثر من 10 سنوات قضاها مريضاً بالقصور الكلوي، وبعد معاناة شديدة إلى حد الملل من جلسات الغسيل المقيتة قرر ذوو (أحمد) البحث عن متبرع يمكن أن ينقذ حياته ولو إلى حين.. وخاصة أن أحداً من أهله وأقربائه لا يمكنه التبرع له..
يقول (أبو أحمد): عمدت إلى نشر إعلان في إحدى الصحف متضمناً رقم هاتفي.. لتبدأ الاتصالات بي في اليوم الثاني.. تلقيت عشرات الاتصالات، معظمها من محتالين حيث تستطيع أن تعرف المحتال من المتبرع الحقيقي، بعضهم كان يهاتفني من المحافظات الأخرى طالباً موعداً للالتقاء به، وفعلاً اجتمعت خلال أسبوع بخمسة أشخاص، الأول قال لي وقد أحضر معه أوراقاً جاهزة (فحص نُسج وزمرة دم o وهي الزمرة الأفضل لهذه الحالة) مشترطاً عدم إبلاغ الطبيب، وعند إصراري على ذلك تحوّل إلى متبرع لوجه الله طالباً جزءاً من المبلغ على الحساب، وعندما فشل طلب مني وجبة غداء واحدة فقط!!
وللعلم فإن المبلغ الذي رصده أبو أحمد للمتبرع هو 200 ألف ليرة، وهو الحد الأقصى الذي استطاع تأمينه بشق الأنفس من الأقرباء والأصدقاء، ويمكن لهذا المبلغ أن يصل إلى 250 أو 300 ألف في أحسن الأحوال كحدّ متعارف عليه اليوم لشراء كلية!
(متبرع نصاب) آخر تحدث مع (أبو أحمد) من محافظة أخرى قال له إنه مستعد للقدوم إلى دمشق ولكن أيضاً مع شروط من نوع أن يتكفّل بمصاريفه وإقامته طيلة فترة وجوده ريثما تظهر نتائج فحص النسج وباقي الفحوصات الأخرى..
وطبعاً لا شيء يجبر هذا الرجل أو يلزمه بالتبرع، ويستطيع في أي لحظة الانسحاب، وهنا كان مراد الرجل الذهاب ربما في رحلة استجمام إلى دمشق وتمضية بعض الأوقات على حساب (أبو أحمد) ليقول له في النتيجة (إن تطابقت الأنسجة طبعاً) لا أريد التبرع، وما أكثر الذرائع التي يمكن اختلاقها وقتها!!
في المحصلة يقول أبو أحمد: اكتشفت أن العديد من الأشخاص ينتظرون مثل هذا الإعلان ليستثمروه بهذا الشكل الدنيء!
المتبرع الوحيد الذي وجدته جدياً كان إيرانياً لكنني لم أستطع إتمام اتفاقي معه فقد حذروني من إمكانية حدوث مشاكل مع سفارة بلده هنا في حال علمها بالأمر.
واليوم مازال أبو أحمد يتفاوض مع أحد المتبرعين العراقيين، الذي قبل بالاتفاق وهو يجري اليوم الفحوص اللازمة للعملية مقابل 200 ألف ليرة سورية!!
يقول أبو أحمد: أنا اليوم في أسوأ حالاتي فكما يؤرقني مرض ابني ورؤيته يذبل أمامي يؤرقني بنفس القدر ربما وضع هذا المتبرع الذي وصل فيه الأمر إلى هذا الحدّ!
إنني لا أستطيع النظر في عينيه ووجهه، ولكنني أبرّر الأمر بما يقوله الأطباء الذين يؤكدون أنه لا ضرر على حياة المتبرع، وبالتالي فإن الأمر مبرر أخلاقياً، كما يريحني أن الرجل يخضع للفحوصات في أفضل مخابر العاصمة، وأنا مصرّ على هذه الناحية كتعويض له على ذلك، فحوصات النسج تكلّف 12 ألفاً ما عدا الفحوصات الأخرى التي يجب أن تكون كلها سليمة قبل أن يخضع للعملية..

نتائج غير مؤكدة
يمكن القول إن مرحلة الحصول على المتبرع هي أصعب المراحل في عملية زرع الكلى فعدا عن عمليات النصب والاحتيال المتوقعة، هناك التحاليل التي يجب أن تتطابق ما بين المتبرع والمريض، وهي عملية صعبة للغاية، كما أن إصابة المتبرع بأي مرض يمكن أن يلغي العملية برمتها.
وأما إذا ما نجح الأمر وحصل المريض على متبرع جدي وتطابقت فحوصات النسج والفحوصات الأخرى فإن لا شيء يؤكد أن النتائج ستكون كما يشتهي أهل المريض، فكثيراً ما تمت عمليات الزرع لتفشل بعد ذلك بأشهر نتيجة رفض جسم المريض للعضو الجديد وعدم قدرته على تقبّله (رفض مناعي)!! حيث من الوارد كثيراً أن يقوم الجسم بحشد دفاعاته ومضاداته للفظ هذا الجسم الغريب، وأما إذا ما نجحت العملية وتقبّلها الجسم فإن عمرها لا يمكن أن يكون أكثر من عشر سنوات وسطياً، ليكون المريض بعدها بحاجة إلى عملية زرع أخرى تعيده إلى نقطة البداية بكل ما تعنيه من مرارة ومعاناة.
الجدير ذكره هنا أن هذه العمليات تجري حتى الآن في مشافينا العامة أو الخاصة بشكل غير مقونن بمعنى أنها بلا غطاء قانوني.
فالقانون حتى الآن لا يسمح بالتبرع من غير الأقرباء ، ولكنه مع ذلك يغضّ النظر عن هذه الخروقات، وهذا ما يظهر حالة التناقض الذي تعيشه الجهات المعنية بالأمر، التي تسمح بهذه العمليات المخالفة للقانون (تحت مبررات إنسانية وأخلاقية) لكنها مازالت تمتنع عن إصدار القوانين والتشريعات التي تنظم هذه العمليات لتفسح المجال بذلك أمام مشكلة غاية في الخطورة وهي (الإتجار غير المشروع بالأعضاء البشرية)!!

زرع الأعضاء.. ترف أم ضرورة؟!
حدثت خلال العقود الأربعة الماضية ثورة حقيقية في موضوع زراعة الأعضاء البشرية عالمياً، لتشمل كل أعضاء الجسم وأنسجته حيث يمكن نقل الكلى والكبد والبنكرياس والقرنيات والقلب والعظام والأربطة والغضاريف والشرايين والجلد وغيرها.
وتأتي معظم الأعضاء المتبرع بها من الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق والنزيف الدماغي، وعليه فإن فكرة استعمال الأعضاء والأنسجة البشرية بعد الوفاة تعتبر اليوم من أرقى ما قامت به البشرية لخدمة الإنسان الذي هو بحاجة ماسة لذلك، كما أن تطور علم زراعة الأعضاء وتطور العلاجات المستخدمة للوقاية من (الرفض المناعي) قد أدّيا بشكل عام إلى تحسين نتائج زراعة الأعضاء.
هذا على المستوى العالمي، ولكن إلى أي حد ينطبق هذا الواقع على بلد كسورية؟ وهل نواكب هذا التطور بجانبيه القانوني والعلمي (الطبي)؟ وما هو موقف الدين من هذا الموضوع؟ وهل نحن مؤهلون للبدء بعمليات دقيقة كهذه والأهم أنها مكلفة؟ في وقت يعاني فيه مواطننا من دفع قيمة زيارة الطبيب؟ يقول د. رمضان رمضان نقيب الأطباء في سورية: إن مسألة زرع ونقل الأعضاء تطرح نفسها بقوة يوماً بعد يوم، مضيفاً أن الواقع الذي يعيشه المرضى في سورية وأعدادهم المتزايدة يتطلب البدء بخطوات حثيثة للحاق بركب التطورات في هذا المضمار.
فلدينا في سورية الآلاف ممن يعانون من القصور الكلوي وهم بحاجة إلى غسيل الكلى بمعدل مرتين إلى ثلاث أسبوعياً بواقع (3-4) ساعات في الجلسة الواحدة يضاف إليهم سنوياً (1400) مريض، في وقت أن هناك أكثر من (1500) مواطن يلقون مصرعهم سنوياً جراء حوادث الطرق المؤسفة، ومن الممكن إذن أن توفّر لنا الوفيات الدماغية أكثر من ألف كلية.
كما أن عدد المصابين في بلدنا بعمى أو الذين يهدد العمى مستقبلهم وينتظرون دورهم لإجراء زرع القرنية هو أكثر من خمسة آلاف مواطن، يضاف إليهم ألف مريض سنوياً.
ويؤكد د. رمضان أن الطب السوري يتابع تطورات عملية زراعة الأعضاء في زراعة الكلى والقرنية ولكن لا يوجد زراعة للكبد أو القلب أو الرئتين والعظام والغضاريف وبقية الأنسجة الأخرى، في حين تتوافر زراعة الكبد في ست دول في المنطقة هي تركيا وإيران والسعودية ومصر ولبنان وتونس وبالتالي يقول رمضان: لا بد من العمل على استكمال الخطوات الضرورية لتعديل القانون المقترح والبدء باتخاذ الإجراءات العملية.
ولكن أين تكمن المصاعب والمعوقات؟

الدين.. أعضاؤنا ليست ملكنا؟!
في مجتمعنا الذي مازالت التعاليم الدينية تلقي بثقلها على كثير من السلوكيات والممارسات، يبدو موضوع التبرع بالأعضاء البشرية وبيعها واحداً من المواضيع البالغة الحساسية دينياً وفقهياً.
يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي في شرحه للقواعد الفقهية العامة التي تعدُّ المنطلق لأحكام زرع الأعضاء في حالاته المختلفة إنه يجب التفريق بين مسألتين: الأولى تتعلق بانقسام الحقوق إلى ما يسمى حقوق الله وما يسمى بحقوق الإنسان معتبراً أن الحقوق كلها لله، ولكن الفقهاء اصطلحوا على تسمية الحقوق التي لا يجوز للإنسان أن يتصرف بها بحقوق الله كحق الحياة التي لا يعود للإنسان التصرف بها، أما فروعها كالتصرف بالعين والأذن والقوى والقدرات فهذه حقوق العباد.
وبما يخص التبرع يؤكد البوطي أنه إذا كان الشخص المتبرع أو المستفاد منه حياً وبالغاً ولياً لنفسه فإنه لا خلاف على هذا الأمر لمريض اضطر إلى غزر هذا العضو في كيانه، ولا شك أن هذه العملية إذا أدت إلى وفاة المتبرع فهي لا تجوز إطلاقاً ولو أن المتبرع رضي بذلك، بالمقابل إذا شهد طبيبان مختصان بأن انتقال هذا العضو من المتبرع إلى المستفيد لن يؤثر على حياته فيجوز من حيث المبدأ التبرع بهذا العضو.
أما في موضوع بيع الأعضاء فيحسم د. البوطي الأمر بقوله إنه لا يمكن للإنسان أن يبيع شيئاً لا يملكه، فأنا لا أملك عيني ولا أذني ولا قلبي ولا كليتي أنا أُمتّع بهذا الذي وضعه الله بي، أستطيع أن أؤثر أخي عليه لكنني لا أملك أن أبيعه لأن أخذ الثمن مقابل المثمن لا بد أن يكون نتيجة تملك والتملك برأيه غير موجود هنا.

القانون.. روحه فقط موافقة!!
هناك من يعتقد بأن الفارق كبير بين موقف القانون وموقف الشريعة الإسلامية والأديان الأخرى في موضوع زراعة ونقل الأعضاء، لكن حقيقة الأمر أنه ورغم الاختلاف في المداخل إلى حل المشكلة إلا أنه ومن حيث النتيجة النهائية فإن الدين والقانون يلتقيان، ذلك أن القانون يرجع المسألة كلها إلى من يملك جسد الإنسان، هل هو الإنسان الذي يملكه أم أن الله هو الذي يملكه!!
وهل الإنسان إذا ملك هذا الجسم يحق له التصرف به أو أن يبيعه أو يعطيه؟ قانونياً: الإنسان يملك جسده ويحق له التصرف فيه لأمرين: لنفعه وأيضاً لأمور أخرى هو الذي يقدرها.
لكن القانون يراعي في عملية زرع الأعضاء إذا كان الأمر يتعلق بحماية القاصر، حيث وضع القانون الصادر في عام 1972 قواعد دقيقة لكيفية نقل الأعضاء من القاصر الذي لا يحق له أن يقرر بنفسه التبرع إلى شخص آخر، كما لا يحق لغير العاقل أن يفعل ذلك، ولا يحقّ للإنسان أن يتبرع بعضو يقضي عليه كالتبرع بالقلب إلا في ساعة الموت بعد ترك وصية.
إذن.. يبقى القانون قاصراً هو الآخر وبعيداً عن مواكبة التطور العلمي وعن سن تشريعات تناسب هذا التطور العلمي، ويكفي أن ندلّل على ذلك أنه في فرنسا مثلاً يعتبر كل متوفى هو بمثابة متبرع تلقائياً إذا لم يعلن في وصيته عكس ذلك، وهذا الإجراء معمول به منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولذلك تبدو الحاجة ماسة للمزيد من الأريحية في عمليات التبرع، فالحياة يجب أن تستمر ولا يجب أن تكون القوانين عائقاً أمام ذلك!

القصور الكلوي.. مشكلة سورية بامتياز!!
يصيب القصور الكلوي شريحة الشباب، وهو السن المنتج ما بين (20 و35) سنة وتبلغ النسبة العالمية لانتشار هذا المرض المزمن ما بين 50 و70 بالمليون في كل عام، وتقع سورية في موقع الـ(70) وليس الخمسين لأن هناك العديد من الأمراض التي مازالت تُهمل لدينا كالحصيات السادّة أو أية آفة انسدادية لفترة طويلة. ويبلغ عدد المرضى السنوي في سورية ما بين (900 و1200) مريض. أما العدد اللازم من أجهزة الكلية الصناعية لتوفر العناية لهؤلاء المرضى إذا استخدمنا ما هو قائم في الوقت الحاضر وهو جلستان أسبوعياً يتراوح بين (142 إلى 198) جهازاً، أما إذا اتبعنا الأسلوب العالمي والذي هو ثلاث جلسات أسبوعياً فستكون الحاجة إلى 212 حتى 298 جهازاً.
واقع الحال يفرض على الأطباء في العديد من مراكز غسل الكلية اعتماد جلسة واحدة أسبوعياً لخدمة المرضى وإبقائهم على قيد الحياة وبشكل أقرب إلى الموت!
ويقول الدكتور مصطفى حبش اختصاصي جراحة زرع الكلية إنه لا بد من الإسراع بإقرار القانون الجديد فيما يتعلق بزراعة ونقل الأعضاء وخاصة الكلى، معتبراً أنه لدينا كأطباء الجاهزية التامة لإجراء هذه العمليات بنجاح، وأصبح بمقدور أطباء جراحة الكلية السوريين زرع الكلى وبدرجة توافق بين المتبرع والمستفيد هي صفر لكن شرط أن يكون اختيار التصالب اللمفاوي سلبياً، ويعتبر حبش أن موضوع زراعة الكلى هو أسهل وأقل كلفة من موضوع الغسل مع ما يرافقه من الأدوية التي تتحمل وزارة الصحة تكاليفها.
الجدير ذكره أن ما بين 200 و250 عملية زرع كلية تجري في مختلف مراكز الكلية في سورية ورغم إيجابية هذا الرقم وأهميته فإنه لا يشكل أكثر من ربع الحالات الموجودة أو أقل نظراً للحاجة إلى متبرعين.
وتبدو التجربة الإيرانية في هذا المجال في غاية الأهمية لجهة تلافيها لموضوع الابتزاز المادي والإتجار غير المشروع، حيث قامت الحكومة هناك بتشجيع عمليات التبرع مقابل مكافآت تحددها الدولة ولكن دون أن يعرف المتبرع لمن ستذهب الكلية.
ما يهمنا قوله في النهاية إن دول العالم بمعظمها بما فيها الدول العربية سبقتنا بإيجاد الصيغ القانونية للحصول على الكلى من المرضى المحكوم عليهم بالموت الدماغي فيما نحن مازلنا نتجادل في هذا الموضوع (صحة الموت الدماغي من عدمه!!) فهل نتجه وبأقصى سرعة إلى حل هذا الموضوع العالق ونقوم باستصدار القوانين الملائمة له وتالياً إقامة صندوق وطني لتمويل عمليات تشجيع ونقل الأعضاء، كل الأعضاء وليس الكلى فقط، بما يؤدي في النتيجة إلى وضع حدّ لكل هذه المظاهر والخروقات، خاصة أن عمليات الزرع من المتبرعين الأحياء غير الأقارب إنما تخفي مشكلة الإتجار بالأعضاء التي تجابهها دول العالم كافة، في حين تشهد أوج ازدهارها ونموها في بلدنا ذي الخصوصية الفريدة في كل شيء!!!
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة