الجمعة, 6 كانون الأول 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 9 تاريخ 1/2/2006 > هل الأطفال أحرار في اختيار الدين؟! ما رأي الأديان والقانون والفلسفة
هل الأطفال أحرار في اختيار الدين؟! ما رأي الأديان والقانون والفلسفة
ما هو مفهوم الحرية الدينية للأطفال؟
ومتى يعي الطفل ويصبح قادراً على اختيار دينه؟
وهل هناك إجبار للطفل على اختيار الدين؟
أسئلة كثيرة تطرح على بساط البحث، ونحن نقرأ مواد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وإجابات غير محددة يمكن أن نسمعها من هذا الجانب أو ذاك حول هذه الأسئلة وغيرها.
ومما لا شك فيه أن منظمة الأمم المتحدة لم تنطلق من فراغ عندما خصّت الطفل بالرعاية وعقدت من أجله مثل هذه الاتفاقية التي جاءت بعشرات المواد، والتي وزعت على الدول الأعضاء للتوقيع عليها، لكن مما لا شك فيه أيضاً أن هذه المواد لم تراع اختلاف الثقافات والمجتمعات الموجودة في مختلف أرجاء العالم، خاصة ما يتعلق بالتفكك الأسري، والأسر الممتدة في عدد من البلدان، بل انطلقت من فرضية الإهمال للطفل، كما تشير المواد الموجودة في نص الاتفاقية، والغريب أننا وجدنا في مجتمعاتنا من يكرر هذه المواد على لسانه لغايات ضيقة ضيقة، وقد تحفظت سورية على ما يتعلق بالتبني والحرية الدينية ليس لأنها ضد هذه المواد، بل لأن هذه المواد غير مطروحة في مجتمعنا إلا في نطاق محدود، ومع ذلك نسمع من يردد هذه الاتفاقية ويودّ تطبيقها، ومن هذا المنطلق وجدنا سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون يطلب رفع هذا التحفظ، ليس من باب التأييد والإجازة، بل لأن النص مقيد، ومجتمعنا لن يناله أي خطر في إطار الفهم الصحيح للاتفاقية والنصوص الدينية والأعراف الاجتماعية.
جهينة التي حملت على عاتقها المهمة الاجتماعية التثقيفية التنويرية فتحت ملف التبني في العدد السابق، وها هي تفتح ملف (الحرية الدينية للطفل) في هذا العدد، وإيماناً من جهينة بتعدد الآراء وضرورة الاختلاف لم تكتف برأي طرف أو بالرأي الرسمي حول هذه الاتفاقية، بل تناولت الموضوع من الزاوية العامة، ومن خلال رؤية الدين الإسلامي والدين المسيحي، ومن وجهة النظر القانونية، ومن وجهة النظر العلمية البحتة.

جهينة- إسماعيل مروة:

الأمم المتحدة واتفاقية حقوق الطفل
بعد أن أقرت المنظمة الدولية اتفاقية حقوق الطفل نشرت مترجمة إلى اللغة العربية بدمشق في كراس حمل عنوان (هذه حقوقنا – أمانة في أعناقكم) وهذا العنوان جاء على لسان الطفولة موجهاً إلى الكبار، ورجال الدولة، وفيه الكثير من الإيحاءات التي من الممكن من التوقف عندها..
على الرغم من أن الطفل العربي اليوم، وخاصة الطفل الفلسطيني وطفل الأرض المحتلة لا يعيش حياة الطفولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أنه يعيش الحياة الأسرية في بنية متماسكة اجتماعياً وفكرياً وعقيدياً، وكل ما يعانيه الطفل العربي اليوم ناجم عن الحروب والصراعات والظروف الاجتماعية والمادية القاسية التي جاء قسم منها من الداخل، والقسم الآخر الأكبر جاء نتيجة هيمنة الدول الكبرى واستنزافها لخيرات الدول الفقيرة وطاقاتها، فمن الناحية المادية والترفيهية يعيش الطفل الغربي حياة مثلى، ليس لأن الاتفاقيات ضمنت له ذلك، بل لأن القدر أنشأه في دول مرتاحة مسيطرة، وطفلنا العربي افتقد الكثير من طفولته منذ عقود بعيدة لجملة الأسباب الواردة، فمن سيقوم بتطبيق اتفاقية حقوق الطفل وعلى حساب من؟!
جاءت الاتفاقية في أربع وخمسين مادة عدا الملاحق، والمادة المتعلقة بالحرية الدينية هي المادة (14) ونصها:
1- تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين.
2- تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين وكذلك، تبعاً للحالة الأوصياء القانونيين عليه، في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.
3- لا يجوز أن يخضع الإجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينصّ عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين.
هذا نص المادة (14) من الاتفاقية ببنودها الثلاثة، والملاحظ أن المادة بتمامها غير واضحة المعالم بصورة دقيقة، فهي تحترم حرية الطفل في الفكر والوجدان والدين، ومن ثم تترك الوصاية الأسرية والوصاية من الدولة، وذلك نابع من إيمان واضع المادة عدم قدرة الطفل على امتلاك الحرية الدينية التي صرّح بها البند الأول، وهذا لا يستدعي أي نوع من التحفظ على المادة لأن البندين (2-3) قيدا هذه الحرية حتى يخرج الطفل من طور الطفولة!!
تعليق سماحة المفتي العام حول الحرية الدينية للطفل
لم يختلف رأي سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية عن رأي غيره من علماء الشريعة الإسلامية ولا عن رأي رجال الدين المسيحي، ولا حتى عن الرأي القانوني والعلماني، لأنه في حقيقة الأمر أخذ جوهر الدين الإسلامي ونظرته وقام بإسقاطها على أرض الواقع، وقدم قراءته الواعية التي لا يستطيع أن ينكرها أحد، لولا ما حاوله بعضهم من إكساب رأيه بعداً سياسياً لهذه المرحلة بحكم موقعه في الإفتاء العام، ورأي سماحة المفتي في الحرية الدينية كما أدلى به في حديثه الذي أثار كل الضجة الإعلامية يقول:
"يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن) لماذا لم يقل طاعة نبيكم وطاعة أهل بيته وتعلم القرآن؟ القراءة شيء والبحث في العلوم شيء، فالطفل في الطفولة يقرأ، أما بعدها يفكر، فأنا عليّ أن أعلمه القراءة، ومن قرأ القرآن قرأ العربية بأكملها. فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: اعطوا أبناءكم حصانة الحب وحب النبي، حب النموذج الإنساني، فماذا يفعل حب النبي؟ إنه قيم وأخلاق.. أنا واحد ممن أقول بالحرية، إياكم ألا تحترموا حرية الطفل في الفكر والوجدان والدين، إياكم لأن كل دين يؤخذ بالإكراه أو يدخل بالإكراه يخرج بالهروب، فإن أباً يُكره أولاده على الصلاة إن غاب عن البيت لن يُصلوا.."
ولو أمعنا النظر في هذا الكلام وقراءة حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لن نجد فيه ما يتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل بل سنجد في الحديث خطوات متقدمة على نصوص الاتفاقية، لأنه يتضمن التوجيه والإرشاد والحرية المطلقة للطفل، وهذا يعزز ما ذهبنا إليه بداية من أن الاتفاقية انطلقت من الافتراض الأكثر سوءاً، ومن مجتمعات متفككة أسرياً، ومجتمعاتنا مهما بلغت فيها مرحلة القهر الاجتماعي والمادي، فإن الطفل جزء من هذه المجتمعات ويصيبه ما يصيبها تماماً دون زيادة أو نقصان.
الإسلام وتحديد الحرية الدينية للطفل
وللدخول في عمق المسألة من وجهة النظر الإسلامية الفقهية في مجموعة من أمور الحرية الدينية للطفل سألنا الدكتور الباحث محمد الحسن البغا المدرس في جامعة دمشق – كلية الشريعة عن السن التي يمكن للطفل أن يختار إسلامه فيها فأجاب اعتماداً على النصوص الفقهية:
إسلام الصبي
ذهب أئمة الحنفية الثلاثة والحنابلة بمقابل الصحيح عند الشافعية إلى أنه يصح إسلامه فيرث قريبه المسلم ورجح في الهداية أنه الصبي الذي يعقل وهو مذهب الحنابلة وقدره بعشر سنين ونفاه عامتهم وإنما يكفي علمه بأن الله خلقه وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله، واستدلوا بعموميات الأحاديث: كقوله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة". وقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً",
فدخل الصبي في عمومها، والإسلام عبادة محضة فتصح من الصبي العاقل كالصلاة.. ولا يمنع الصبي من إجابة الإسلام ولا يلزم بعذاب الله تعالى.
ولا بد من تعقله عند من ذهب إليه ليتحقق اعتقاده الإسلام، ولا يشترط العشر لأن العبرة بحصول المقصود، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم دعا علياً كرم الله وجهه إلى الإسلام قبل بلوغه، وسنه سبع سنين، ولا يلزم من عدم التكليف به عدم صحة الإسلام منه، كالصلاة والصيام تصحان منه وسائر العبادات دون تكليفه بها. بل قال الحنفية يجب عليه ولو قبل البلوغ لسقوط الواجب به، واختيار صحبته لترتب الأحكام عليه الدنيوية والأخروية، ولما في ذلك من السعادة الأبدية والنجاة يوم القيامة وهو من أجل المنافع.
ثم يحال بينه وبين أبويه لئلا يفتنوه على سبيل الاستحباب، واختار السبكي وجوبها، والأصح أن أطفال غير المسلمين إذا ماتوا يدخلون الجنة لأن كل مولود يولد على الفطرة.
وذهب المالكية والشافعية في الصحيح ونفر من الحنفية إلى أنه لا يصح إسلام الصبي المميز وحده، وفصل المالكية بأنه يقبل إسلام المراهق كابن ثلاث عشرة سنة، وينتظر إلى بلوغه ليؤكد إسلامه في إرثه. لأنه ليس مكلفاً ويشبه غير المميز والمجنون ولا يقبل إسلامهما اتفاقاً فكذلك المميز.
لأن إسلامه ونطقه للشهادتين على سبيل الخبر لا يقبل لعدم قبول خبره. ولا يعدُّ إنشاءً مقبولاً منه، وإسلام سيدنا علي رضي الله عنه كان مع بلوغه، أو أن الأحكام علقت بالبلوغ بعد الهجرة.
وعن سؤالنا عمّا يحكم إسلام الصبي، وعن حكم مجهول الدين، أو اللقيط الذي يحمل علامة ما، وهل نملك حق إخفائها عنه عندما يكبر أجاب الدكتور البغا إجابة علمية فقهية فقال:
يحكم بإسلام الصبي غير المميز بما يلي:
1- تبعية الدار: يحكم بإسلام الصبي بإقامته في دار المسلمين عند عامة الفقهاء، وإذا ادعاه ذمي مع البينة كان ذمياً، فإذا لم يقم البينة كان مسلماً مع ثبوت نسبه إليه عند الحنفية والمالكية والشافعية في المذهب والحنابلة وفي قول عند الشافعية وعند المالكية إن كان مراهقاً: يكون ذمياً.
2- الولادة: إذا كان أحد الوالدين مسلماً عند انعقاده في بطن أمه كان الولد مسلماً ولا يضره تغيير حال الوالدين بعد ذلك. وإن كان والداه عند انعقاده ذميين فأسلم أحدهما ولو جداً عند الشافعية وفي رواية الحسن عند الحنفية بعد علوقه وقبل بلوغه فيعدُّ مسلماً.
وذلك لقوله تعالى: "والذين آمنوا وأتبعناهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم" فإذا كان أبواه يهوديين أو نصرانيين كان مثلهما، وفي ظاهر الرواية لا يتبع الطفل جده لأنه لو صح تبعيته لجده لكان الناس تبعاً لآدم ولم يوجد في ذريتهما كافر أو مرتد.
دين اللقيط: ويعدُّ اللقيط مسلماً إن وجد في محال المسلمين، فإن ادعاه ذمي ثبت نسبه إليه، لشرف النسب، وبقي اللقيط مسلماً باعتبار التقاطه في المسلمين، فلا تبطل دعواه إسلامه وقيد ذلك الشافعية باقتصاره على الدعوى دون البينة فيثبت النسب ويبقى مسلماً، فإن أقام البينة كان على دين الذمي.
ولو وجد في محال أهل الذمة، فادعاه ذمي كان ذمياً، أو لم يدعه أحد فكذلك يكون ذمياً، إلا إن وجده المسلم في محال أهل الذمة: فروايتان عند الحنفية، ورجح المالكية أنه ذمي، وقيده المالكية والشافعية والحنابلة في الأصح بأن لا يسكن محال أهل الذمة مسلم وإلا كان اللقيط مسلماً.
من قراءة الأحكام الإسلامية الفقهية المثبتة في كتب الفقه الإسلامي نجد أن الإسلام راعى الحرية الدينية بشكل كبير من خلال التكليف، وتحديد السن التي يعقل فيها الطفل دينه ويصبح فيها مسؤولاً عن تصرفاته، وبالمحصلة يصبح قادراً على اختيار دينه ومنطلقاته ومسؤولياته.
المسيحية والحرية الدينية للطفل
وتوجهت جهينة بالأسئلة ذاتها إلى ثلاثة من رجال الدين المسيحي هم الأب يوسف لاجين والمطران غطاس هزيم والأرشمنديت أنطون مصلح وقد تركزت الإجابات حول السن التي يمكن للطفل أن يختار فيها دينه والحكم في مجهول الدين أو من وجدت عليه إشارة تدل على دينه وفيما إذا كان من عثر عليه يملك الحق في إخفاء الحقيقة عنه، وفيما يلي نصوص الإجابات كما وردت:
الأب يوسف لاجين
حرية الطفل الدينية
الأب يوسف لاجين، دكتور في العلوم اللاهوتية، أستاذ سابق في عدة كليات لاهوتية وفلسفية في أكثر من جامعة في لبنان وروما، راهب من الرهبانية الباسيلية المخلصية، خادم كنيسة كيرلس لطائفة الروم الكاثوليك في دمشق.
1-مفهوم حرية الطفل الدينية يكتسبه أولاً من تصرفات الأهل في ممارساتهم الدينية، فالولد ينمو أولاً في الأسرة، وهذا هو النمو الطبيعي، وفي هذا الصدد حرية الطفل الدينية هي واجب الأهل التربوي كما يوضح المجتمع الفاتيكاني الثاني في وثيقة الكنيسة في عالم اليوم، عندما يتكلم عن شرف الزواج والعيلة بكلام هذا نصه الحرفي:
"إن الأولاد وكل من يعيش في الإطار العائلي يكتسبون بسهولة متزايدة عواطف إنسانية وبالسهولة عينها يجدون طريق الخلاص والقداسة، إذ يسير أمامهم مثل والديهم وصلاتهم المشتركة، أما الأزواج الذين زاد من عظمتهم دورهم كأب وأم فليقوموا حسب ضميرهم بواجب التربية وخاصة التربية الدينية لأن الحق فيها يعود لهم أولاً" (دستور راعوي في الكنيسة في عالم اليوم، شرف الزواج والعيلة، 3).
2-أما كيف يختار الطفل دينه، فيقول أيضاً المرجع المذكور أعلاه، بأنه من الواجب "أن يُضمن للأهل الحق في إيلاد البنين والحق في تربيتهم ضمن العائلة. وإنه ليجب أن يحافظ أيضاً التشريع المستدرك والبوادر المختلفة على أولئك الذين حُرموا لسوء الحظ من العائلة ويُوفّر لهم العون اللازم"، ومن هذه العبارات نفهم بأن تكون حرية الولد، هي أساساً انتماؤه الديني في عائلته، أن يبقى محترماً بقدر يحافظ على الثوابت الدينية التي ولد عليها إلى أن يكبر وينمو دون أن تتبدل بانتقاله من مجتمع إلى آخر مغاير لدينه.
3-أما متى يمكن للطفل أن يختار دينه، فيمكننا أن نعتبر نمو الطفل ضمن ثقافة معينة يعيش من ضمنها الأهل، فهذا هو الاختيار الأول، وبهذا الخصوص يقول المرجع السابق أيضاً: "هناك أنماط حياة متنوعة ومقاييس مختلفة للقيم تنبع من الطريقة الخاصة التي بها نستخدم الأشياء، ونشتغل ونتكلم ونمارس الديانة ونسلك ونسنّ الشرائع ونخلق الأنظمة القانونية.. وهكذا ينشأ تراث خاص لكل جماعة بشرية من العادات الموروثة. وكذلك تتألف بيئة معينة وتاريخية يلتحق بها كل إنسان أيّاً كان عصره وأيّاً كانت أمته ومنها يستخلص القيم التي تسمح له بدفع الحضارة إلى الأمام (المرجع السابق رقم 53/3).
4- أما إذا وجد طفل من دون أهله وعليه علامة تدل على انتماء أهله الديني، فاحترام هذه العلامة واجب يمليه التصرف الديني. وإن ما تقدم من نصوص بما يختص بالثقافة والحرية الدينية يمكنه أن ينيرنا إلى التصرف الصحيح في مثل هذه الحال التي تعرف عموماً بالطفل اللقيط أو الشريد وما إلى ذلك، ما ينتج عن عدم إمكانية التعريف بالولد المتروك طفلاً لأقداره دون حماية الأهل، فإذا كان هذا الطفل يحمل سمة تدل على الانتماء الديني للذين تركوه، فنستدل مما تقدّم بأن المنطق الديني يملي علينا احترام الدين الذي يشير إليه الرمز أو السمة المتروكة على الطفل أو في جسده، لنقدم له العون اللازم من ضمن المناخات الملائمة، محترمين الانتماء الديني المشار إليه. ولقد جرت حادثة في بولونيا عندما كان البابا المعروف يوحنا بولس الثاني كاهناً في إحدى رعايا كركوفيا البولونية، فأتوا إليه بولد بقي وحيداً بعد أن قضى الاضطهاد النازي على والديه اليهوديين، فما كان من الكاهن كارول فويتيلا آنذاك، إلا أن أوكل هذا الطفل إلى أسرة يهودية تهتم به، وهذا الطفل أصبح لاحقاً رجل دين يهودياً زار البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان وذكّره بظروف تلك الحادثة وشكر له احترامه لحرية ذلك الطفل الذي كانه موجوداً بلا أب ولا أم متروكاً لأقداره.
5-أما كيف تمارس المجتمعات الغربية الحرية الدينية للأولاد، فالجواب هو في حرية الضمير وانعدام الضغط الخارجي على الاختيار الديني، ولكن لا بد من التمييز بين الاختيار المستند إلى التفتيش والرصانة وبين اللامبالاة التي تعتبر الدين مسألة ثانوية ولا تلتزم تجاه الدين باختيار مستند إلى الضمير، وبالتالي فالممارسة تختلف أيضاً بين مؤمن ملتزم ومتدين غير مبال بدينه، لا بل غير عارف بثوابت وطقوس وشعائر هذا الدين.
6-أما مفهوم النظرة الدينية للطفل، فالجواب هنا واضح فليس للطفل من مفهوم ونظرة دينية إلا تلك التي يتربّى عليها من قبل الأهل في تقاليدهم وثقافتهم ومعتقدهم الديني، ومثل هذه النظرة تتأثر أيضاً بالتربية المدرسية، لذلك كان من الضروري أن يُسمح للطفل بأن يستكمل هذه النظرة الدينية التي تبدأ في البيت، عبر المدرسة التي عليها أن تحترم ثقافة الطفل الدينية والتزامه الإيماني فتنميها ضمن الخط الصحيح.
7-أما أن يشكل انتماء الطفل إلى أسرة معينة نوعاً من الإجبار على اعتناق لدين الأسرة، فهذا من طبيعة الأمور، لأن الطفل الذي يولد ضمن أسرة معينة ينتمي مدنياً إلى هذه الأسرة، وبالطبع من واجب الأهل أن يربّوه التربية الدينية اللازمة والملائمة، فكما يأخذ اسم أهله وينتمي إلى مواطنيتهم وثقافتهم فهو ينتمي بديهياً إلى معتقدهم الديني ويعتنقه. أما كيف يختار لاحقاً عندما يكبر أن يثبت في هذا الدين ويمارس شعائره أو ينتقل إلى ديانة أخرى بعد تفتيش ضميري حر غير مرغّب بوعد أو مرعّب بوعيد، فهذا حديث آخر يصبح الجدل فيه من باب حرية البالغ الدينية واعتبارها من ضمن اعتبارات أخرى ليست واردة في إطار موضوعنا هذا.

المطران غطاس هزيم
1- ما مفهوم الحرية الدينية لدى الأطفال؟
2- ما السن التي يستطيع فيها الطفل أن يختار دينه؟
الحرية الدينية تعني أن من حق كل مواطن أن يؤمن بمعتقده الديني ويمارس شعائره وطقوسه الدينية وتحترم مقدساته في مجتمع متنوع الأديان بحيث يلتزم الجميع بقيم العيش المشترك والمواطنة الصالحة والانتماء الكامل إلى المصلحة العامة للدولة أو الوطن أو الأمة التي يعيش فيها.
أما الطفل فهو كل إنسان لم يبلغ بعد الثامنة عشرة من عمره –تصنيف اليونسكو.
ولما كان الطفل في هذا العمر في مرحلة النمو والتعلم، فإن الحرية الدينية تنشئة الطفل وتعليمه دينه وطرائق ممارسة شعائره وطقوسه من قبل البيت والمدرسة والمرجع الديني (الكنيسة أو الجامع).
أما في الجمهورية العربية السورية فإن ما يضمن الحرية الدينية:
1- ورد في دستور الجمهورية العربية السورية المادة (35) تحت عنوان الحريات والحقوق والواجبات العامة ما يلي:
1- حرية المعتقد مصانة وتحترم الدولة الأديان جميعها.
2- تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على ألا يخل ذلك بالنظام العام.
وبذلك تكون الحرية الدينية مطبقة في سورية، أما حرية المعتقد لدى الطفل الذي يعني إمكانية تغيير الدين بسبب القناعة الشخصية فهذا غير موجود في سورية.
2- لقد صدقت الجمهورية العربية السورية اتفاقية حقوق الطفل بكامل بنودها وتحفظت بالمرسوم رقم (8) على مادتين فقط:
1- المادة رقم (14) التي تعني إعطاء الطفل حرية المعتقد وتغيير دينه.
2- المادة رقم (21) الخاصة بالتبني.
واستناداً لما ورد يلتزم كل طفل في سورية بدين والديه، كذلك الجهات المسؤولة عن تربيته وتعليمه مثل وزارة التربية.
لذلك لا يوجد سن معينة يستطيع الطفل فيها اختيار دينه فهو مسيحي إذا ولد في أسرة مسيحية، ومسلم إذا ولد في أسرة مسلمة... علماً بأن حرية الاعتقاد الديني لشخص بالغ مسلم غير مسموح في سورية، فما بالكم بالطفل؟!!!
3- إذا وجد طفل ولديه علامة تدل على دينه، هل نملك الحق في أن نكتم عنه حقيقة دينه عندما يكبر؟
يكون الطفل اللقيط عادة مجهول الهوية الشخصية أي (اسم الأب، الأم، النسب والجنسية) وعندما يسلم إلى دار اللقطاء يسمى (عبد الله) هذا في السنين الأولى من حياة الطفل وهذا ينفي عنه الانتماء الديني ريثما يظهر أحد أقاربه أو أفراد أسرته وإلا يدين بالإسلام دين التشريع في الدولة.
أما إذا وجد طفل ولديه علامة تدل على دينه، فعلى الجهات الخاصة بتسجيله مراعاة هذه الأصول البائنة بحوزته وتكليف دار الأيتام –حسب دينه- باستلامه وحضانته وتربيته.
الأرشمنديت أنطون مصلح
الحرية الدينية للطفل
ما مفهوم الحرية الدينية للطفل؟
هناك نوعان من الحرية الدينية للطفل:
1- حرية الاعتقاد الذي نشأ عليه واكتسبه من والديه من جهة وممارسة هذا الاعتقاد من جهة أخرى: فإنجاب الأطفال هو من الغايات الأساسية للزواج، وهو يمثل في الكنيسة الكاثوليكية إحدى حالاته الثلاث. والإنجاب، أو حلية النسب، لا يتضمن فقط إنجاب البنين، وإنما أيضاً الحق والواجب بتربيتهم، إذ لا تفضيل بين إنجاب البنين وتربيتهم لأن الأول لا يستقيم من دون الثاني. وتشمل التنشئة أو التربية جميع النواحي الدينية والأدبية والجسدية والمدنية.. (المادة 122 فقرة ج من أحوال شخصية كاثوليك). فالطفل ينشأ على إيمان والديه اللذين يقومان بتربيته، وبالتالي فإن مفهوم الحرية الدينية للطفل في نظري هو أن يستطيع هذا الطفل أن يمارس المعتقد الذي ورثه عن والديه.
2- اختيار دين آخر غير الذي تربى ونشأ عليه: تنص المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل على "لأغراض هذه الاتفاقية، يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المطبق عليه. "لكن يجدر القول هنا إننا لا نستطيع أن نعامل ابن الثلاث سنوات كابن الخامسة عشرة، لأن مرحلة الطفولة تمر بثلاث مراحل تتمثل ما قبل التمييز إلى أن يبلغه، وهو عادة يعتبر سن الخامسة، والبلوغ أو الإدراك وهو عادة سن الرابعة عشرة، والرشد وهو بتمام الثامنة عشرة. وقبل بلوغه سن الرشد، يكون الطفل تحت الولاية أو الوصاية ولا يتمتع بالتالي بحرية التصرف بشؤونه، لذلك فهو قاصر يخضع في تصريف شؤونه لوليه أو وصيه فيما خلا تلك الأمور التي يخوله القانون صراحة ممارستها بنفسه. (المادة 16 أحوال شخصية كاثوليك). وعلى سبيل المثال، يستطيع من بلغ الرابعة عشرة أن يداعي ويدافع في القضايا الزواجية (المادة 1136 بند 3 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية)، وكذلك من يتقبل المعمودية وقد أتمّ الرابعة عشرة يستطيع اختيار الطائفة فينمى إليها بالمعمودية التي قبلها فيها (المادة 30 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية). وهناك أمور أخرى كاكتساب المسكن أو شبه المسكن الخ.. ومما سبق فإني أقبل بأن يكون للطفل حرية اختيار الدين بعد بلوغه الرابعة عشرة من عمره، أي بعد بلوغه سن الإدراك.
إذا وجد طفل يحمل إشارة هل نستطيع أن نخفي هذه الإشارة؟
من الناحية الضميرية لا نستطيع أن نخفي هذه الإشارة حتى وإن قامت العائلة التي تختلف في الدين مع الطفل اللقيط بتربيته. على هذه العائلة أن تُعلِمه أنها وجدت معه هذه الإشارة، وأن تترك له في المستقبل حرية الاختيار في أن يعود إلى دينه الأصلي، أو أن يبقى على الدين الذي تعيشه وتمارسه هي.
هل يملك الطفل الحرية في اختيار دينه؟
من الآراء المجموعة لسماحة المفتي والدكتور البغا والأب لاجين والمطران هزيم والأرشمنديت مصلح نجد اتفاقاً دينياً على أن الطفل غير قادر على اختيار دينه بنفسه بمعنى الاختيار، وإنما يكون دينه تابعاً لدين الأبوين، ويتم تأهيله للحياة وفق دين الأبوين إن كان في أسرة، وإن كان لقيطاً فقد حدّد الإسلام القاعدة وكذلك المسيحية، ولكن في الطرفين متروك للأمانة والحس بالمسؤولية والضمير.
وهذه الآراء لا تتعارض مطلقاً مع نص اتفاقية الطفل القائم على احترام الحرية والتعهد والرعاية.. والغريب هنا، والذي لا بد من ذكره مع تقديرنا لجميع الآراء أننا نسمع بين مدة وأخرى من هذا الطرف أو ذاك تذمراً وانتقاداً في المجالس الخاصة، وكنا نطمح من خلال هذا الملف إلى فتح حوار حقيقي يضيّق الخلافات –إن وجدت- لكن جملة ما وصلنا إليه يدل دلالة قاطعة على أنه ما من خلاف موجود، فإن كان الأمر كذلك فلماذا يأتي التهامس في المجالس الخاصة؟ وهل من حق من لا يطرح رأيه بوضوح على المنابر أن يطرحه في جلساته؟
إن كان ثمة من خلاف، فالخلاف في الأشياء التي لا نود إظهارها لإيماننا الشديد بأنها غاية خاصة وغير نبيلة، أما النصوص كما وردت من السادة العلماء، فقد بينت أنه ما من خلاف، وأن ما أثير وما يثار حول موضوعات الحرية الدينية لا يستحق الخلاف!!
الرأي القانوني في الحرية الدينية
ليس الدين هو الحاكم والناظم لحياة الأفراد في بلداننا وحده، وإنما هناك جانب مهم هو الجانب القانوني الذي يستمد أجزاء من الدين وأخرى من القوانين الوضعية، لذلك توجهنا بالأسئلة إلى الأستاذ المحامي انطون المعراوي الذي فصّل الأمر حسب القانون السوري، وأجاب عن الكيفية التي يتعامل بها المجتمع الغربي مع الحرية الدينية.
ما هو مفهوم حرية الطفل الدينية؟
للإجابة عن السؤال لا بد من طرح مفهوم مسألة الحرية ككل، فالحرية بالسياق المعرفي كل متلازم، فمثلاً حرية الضمير، حرية العبادة، حرية الاجتماع، حرية المعرفة، وبهذا المعنى يكون الإدراك والوعي هو المقياس الذي على أساسه تبحث الحرية. فالطفل غير المدرك تكون حريته منقوصة. فلا هو يختار اسمه ولا دينه، بل هو في مرحلة التلقي التعليمي من أسرته ومدرسته وبيئته فهو منساق بحكم العلاقة الأسرية للارتباط بالمفهوم الديني العائلي والمحيطي. وبالتالي فحريته محدودة ومجردة.
بالتالي لا يمكن للطفل أن يختار دينه، بل هو أسير لمعتقدات أسرته، يمارس معها الطقوس، ويلتزم بالتوجيهات. فالطفل المتحدر من أسرة محمدية، مثله مثل الطفل المتحدر من أسرة مسيحية، يرافق والده أو والدته إلى الجامع أو الكنيسة، ويمارس مجموعة أعراف طقسية بالنسبة للمحمديين أو المناولة الأولى بالنسبة للمسيحيين ناهيك عما يمارس عليه من طقوس وهو غير واع كالختان عند المسلمين أو العمادة عند المسيحيين. فالطفل المسلوب الإرادة وغير المميز، لا يمكن القول بتاتاً بأن له حرية الاختيار.
في حال غيّر الرجل المسيحي مذهبه فهل يملك الولد حرية الاختيار؟
لقد كان القضاء السوري سباقاً في الاجتهاد حول هذا الموضوع فمن المتعارف عليه أن الأولاد يتبعون دين والدهم. فإذا قام الأب المسيحي بتغيير مذهبه إلى الإسلام المحمدي وكان الطفل قد مارس طقوس دينه المسيحي أو قارب البلوغ القانوني جاز له عند بلوغه الثامنة عشرة إما أن يبقى على دين والده أو أن يعود إلى دينه الأصلي أي المسيحية، وهذا اجتهاد متقدم ومتميز للقضاء في سورية.
اللقيط وأحكامه
إذا عثر على لقيط أمام باب مسجد ما، دون أية علامة ظاهرة فينصرف هذا إلى أن إرادة الواضع هي في تسليم الوليد إلى أيد مؤمنة مسلمة وكذا الحال إذا عثر عليه أمام باب الكنيسة. أما إذا عثر عليه في مكان عام دون إشارة دالة فيكون من مسؤولية الجمعيات المحمدية الراعية، أما إذا وجد عليه إشارة دالة على مذهبه المسيحي كالصليب مثلاً فعلى الجهات المسؤولة والجمعيات أن تربي الطفل على حسب الإشارة الدالة عليه وتعتبره مسيحياً.
كيف تمارس المجتمعات الغربية
الحرية الدينية؟
الخيارات تبقى مفتوحة أمام جميع البالغين، ففي ألمانيا مثلاً يمكن للفرد أن يسجل أمام الدوائر المختصة أنه ملحد. وهناك حرية فردية مطلقة في تغيير الدين دون أي شروط. وتمارس بعض العائلات حريتها الدينية دون إلزام أطفال الأسرة بذلك تاركين لهم حرية اختيار المذهب والمعتقد لحين سن البلوغ. فيبقى الطفل المسيحي مثلاً دون عمادة أو مناولة، فإذا اختار أن يكون بوذياً مثلاً فله ذلك، أما إذا اختار أن يكون مسيحياً، فتجرى له جميع طقوس الديانة المسيحية كالعمادة مثلاً وبالتالي يكون قد مارس حريته في انتقاء ما يتوافق مع نضجه العقلي واستيعاب مداركه.

الرأي الفطري
أريد أن أكون جريئاً في طرحي للموضوعات الحساسة، لذلك توجهت إلى مختلف الشرائح المستهدفة، لكن ما أشرت إليه في السابق جعل الآراء متماثلة، فهؤلاء العلماء الأفاضل يملكون القدرة على اختيار ما يجب أن يظهر من آرائهم، والقدرة على الاحتفاظ بما يريدون أيضاً، ومن هنا رأيت أن آخذ رأياً لأحد المهتمين السيد عماد ليّوس فجاء جوابه واضحاً وصريحاً، وبعد تدوينه أسأل رجال الدين عن موقفهم الحقيقي عندما يسمعون آراء رعاياهم!!
تتمخض المنابر الإسلامية، والمذابح المسيحية بمناسبة وبغير مناسبة، لتلد بعقولنا حقيقة الأفكار التوحيدية، وبأننا دين واحد بشرائع مختلفة أمامنا الله الواحد الأحد الصمد.
وفجأة نقف عند إشكالية طفل مقمط، وُضعت عليه علامة دينية معينة، ولا يهدأ الحوار حول أحقية احترام انتماء هذه العلامة أو التقيد بشرائع ونصوص الحقوق المدنية حسب كل بلد، ونتناسى بقصد أو بغير قصد عدة أمور:
أولها: حقيقة إيماننا الواحد، المبني على تناغم الفضائل الإنسانية الجامعة، واحترام حياة وحرية الآخر، والعدل، والتسامح،، و.....
ثانيها: تلك الأم التي تخلّت عن الطفل، "مهما كانت المبررات" وتركته دون أي سلاح حتى اللغة والفهم، يواجه ذئبية هذا الكون، ولم تهتم بأن يهاجمه جرذ على حافة الطريق، أو يأخذه أحد تجار الأعضاء البشرية أو يموت من الجوع والبرد، هل تملك تلك الأم الحق بتوجيه الطفل لدين معين، وهي بتصرفها هذا فاقدة الحس والدين والأمومة والكرامة، وأي قطة شاردة تملك من الحب والأمومة لصغارها أكثر منها.
ثالثها: الطفل بحد ذاته لا يملك أي نوع من حرية الاختيار، "مع أن الله يحترم حريتنا" فكيف نُنصب أنفسنا أوصياء عليه؟ وكيف يستطيع هو أن يختار في هذا الوضع؟
أخيراً: إن ما نحن بحاجة إليه فعلاً، هو مجموعة من الأخلاق العامة تجمعنا وتُدير شؤوننا، فقد ثبت عبر التاريخ فشل الديانات في قيادة الشعوب. وعلينا أن نحدد أولوية انتمائنا، وأن يضعها كل إنسان حسب تسلسلها الملائم له.

مفهوم الحرية الدينية علمياً وتأثره بالثقافة المجتمعية
بعد أن استعرضنا ما جاء في اتفاقية حقوق الطفل، وما جاء في إجابات السادة العلماء من الدين الإسلامي والمسيحي، وما يقوله القانون، والإنسان الذي يعيش في المجتمع، رأينا أن نطرح الموضوع على بساط البحث العلمي القائم على التحليل والاستنباط، فتوجهنا بالأسئلة المطروحة إلى الأستاذ الباحث والمترجم وجيه أسعد الذي أخلص حياته لعلم النفس والمجتمع تأليفاً وترجمة فتفضل بالإجابة عن هذه الأسئلة:
أولاً: ما مفهوم الحرية الدينية؟
الواقع أننا لا نستطيع أن نقدّم تعريفاً مفهوماً لمفهوم الحرية الدينية إلا إذا وضعناه في الإطار العام، أو الجو العام الذي ساد ويسود المجتمعات التي يُتاح للفرد فيها أن يختار دينه. وهذه المجتمعات هي المجتمعات التي دخلت عصر الحداثة.
وتدلّ كلمة "الحداثة" على هذه المرحلة من تاريخ أوروبا، التي تبدأ من القرن السابع عشر. إنها مرحلة موسومة بسلسلة من التحولات الواسعة جداً. وأحد هذه التحولات مسّ الدين مسّاً قوياً. ولعلّ من المفيد أن نوضّح بإيجاز مفهومين على وجه الخصوص أفرزهما هذا التحوّل: العلمنة أولاً وزوال سيطرة الأفكار الدينية المسيحية ثانياً.
والعلمنة، من حيث الأساس، حركة ذات طبيعة سياسية نقلت الدين –الدين المسيحي والحال هذه- من دائرة العام إلى دائرة الخاص. فالعلمنة، المرتبطة بنظام سياسي ديموقراطي، هي مجرد فصل الدين عن الدولة. وأود أن أشير على وجه الخصوص إلى نتيجة ذات أهمية مفادها أن الكنيسة لم تعد قادرة، في هذا الوضع، أن تستعين، كما كان الوضع من قبل، بقوتها الخاصة أو بقوة الدولة.
وإذا كانت العلمنة ظاهرة سياسية، فإن زوال الأفكار الدينية المسيحية مظهر من مظاهر التعددية الثقافية، ولكن جذور هذا الزوال تظلّ سياسية وديموقراطية. فمنذ أن تكون المصالح غير العامة ملقاة في الدائرة الخاصة، يصبح الأفراد هم الذين يقررون وحدهم مبدئياً معتقداتهم، آراءهم، أذواقهم وطموحاتهم، ويختارون اختياراً حراً مهنهم وأزواجهم... الخ. وهذا هو ما نسميه "الفردية".
وانبثقت من هذا الوضع ثلاث اتجاهات: الأول تعدد التعريفات الدينية المسيحية لدى الطوائف المسيحية المختلفة (علماً بأن ظهور الطوائف المسيحية مفعول من مفعولات الحداثة).
والاتجاه الثاني هو اتجاه الأيديولوجيات، بالمعنى الضيق لكلمة إيديولوجيا، أعني بوصفها منظومة مغلقة من التصورات ذات الطموح العلمي، التي تقترح أن تصوغ المجتمعات صياغة جديدة كاملة لتجعلها مطابقة لفكرة الكمال التي تتبنّاها هذه التصورات. والثالث يكمن في معارضة الدين المسيحي بديانات غير مسيحية، على الرغم من أن الاقتباسات من هذه الديانات ما تزال محدودة.
ومن الواضح أن هذا الجو الذي تسود فيه الفردية، حيث يُعتبر الفرد وحدة مرجعية أساسية ويتمتع بأشكال الحريات المتنوعة، هو الذي يتيح لنا أن نعرّف "مفهوم الحرية الدينية" أنه اختيار الفرد دينه اختياراً حراً، شأنه شأن أي اختيار آخر وليس ثمة لأحد حق الطعن بهذه الحرية مادام الدين شأناً خاصاً بالفرد.

ثانياً: في أي سن يمكن أن يملك الطفل حرية اختيار دينه؟
ليس ثمة دراسات، من أي نوع كانت تتناول موضوع السن التي يمكن أن يملك فيها الطفل حرية اختيار دينه. ولا يمكننا أن نعتمد على علم النفس الذي يدرس تكوّن المفاهيم لدى الطفل خلال نموه، بحيث نقارن مفهوم الدين بمفهوم آخر قريب منه لنحدّد هذه السن تحديداً تقريبياً. فمفهوم الدين أكثر تعقيداً بما لا يُقاس من أي مفهوم سيكولوجي آخر. بل هو موضوع لا تُحصى مفاهيمه، وكثير من هذه المفاهيم لا تُدرك بسهولة.
والقول المأثور، "الإنسان يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينّصرانه" الذي ينسبه البعض إلى الرسول العربي الكريم، واقع لا ريب فيه إذا أخذنا الفطرة بمعناها اللغوي وعممنا على الديانات جميعها دون استثناء.
وثمة حالتان لاختيار الفرد دينه اختياراً حراً: أن يختار الفرد اختياراً حراً دينه الذي ربّته عليه أسرته أو أن يختار ديناً آخر. ويفترض الأمر في الحالتين، من الناحية النظرية قدرة على الفهم والمداولة والمقارنة وسعة الاطّلاع. وذلك لا يتحقق في أي مرحلة من المراحل التي تسبق سن النضج أي سن الرشد على الأقل.

ثالثاً: هل نملك، إذا عُثر على لقيط يحمل إشارة دينية، حق إخفائها عنه عندما يكبر؟
ثمة حالتان ممكنتان عند العثور على لقيط يحمل إشارة دينية: الأولى، أن يكون دين الأسرة أو المؤسسة الخيرية التي تربيه هو الدين الذي تدل عليه الإشارة. وليس ثمة أي إشكال في هذه الحالة، واطمئنانه على هذا الموضوع، عندما يكبر أو عندما يخطر بباله، يقتضينا أن نصارحه، والحالة الثانية أن يكون دين الأسرة أو المؤسسة الخيرية التي تربيه مختلفاً عن الدين الذي تدلّ عليه الإشارة، وكل الإشكال قائم في هذه الحالة. ذلك أن الأسرة أو المؤسسة التي تربيه لا تستطيع أن تجنّبه إلا في حالات نادرة وربما مفترضة تربية دينية لا تعتمد دين أبويه أو أحدهما.
ويمكننا أن نتصوّر وضعين اجتماعيين في هذه الحالة الثانية: وضع يشرّع التبنّي، وآخر لا يشرعه. وليس من حقنا في الوضعين، احتراماً لشخصية الفرد بادئ ذي بدء، وتأدية للأمانة التي تحملها الإشارة الدينية سواء كان وضعها مقصوداً أو غير مقصود، واحتياطاً لما قد يحدث بالإضافة إلى ذلك، أن نخفي عنه الأمر عندما يكبر، مهما كانت الصدمة التي يواجهها ولديه حرية الاختيار.
استنتاجات ورأي:
حاولنا في هذا الموضوع أن نصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الذين يعتد برأيهم في الدين الإسلامي والدين المسيحي والقانون والعلم، إيماناً منا بضرورة الوصول إلى الرأي الصواب، ومجمل الآراء الواردة من علماء الدينين الإسلامي والمسيحي اتسمت بالحيادية، وأظهرت أنه ما من مشكلة في موضوع الدين، ومن حقنا أن نسأل إذن: لماذا يثار هذا الموضوع على صعيد عالمي إن لم يكن ثمة مشكلة؟ وخرجنا بمجموعة من الاستنتاجات:
1- الآراء باختلاف المصادر تؤكد على الانتماء الأسري، وبأن هذا الانتماء هو الذي يحدد ضرورة اختيار الدين.
2- الآراء التي وردت بحق اللقيط تجمع على ضرورة احترام دينه إن عُرف، أو أن يأخذ اللقيط دين من رباه، وهذا يظهر أن الموضوع لا يحتاج إلى مناقشة، اللهم إلا الاعتراض المقروء في أحد الآراء حول اللقيط الذي يأخذ دين الدولة –وفي سورية تحديداً- الإسلامي.
3- ما من رأي يقول بترك الولد دون هوية دينية حتى يعي ويختار دينه بنفسه، بل إن الآراء أجمعت على ضرورة التوجيه والتربية على دين البيئة، وفي هذا نوع من القسر إلا إذا كنا نبيح لأنفسنا ما ننتقده في الآخر.
4- أشار الرأي القانوني وكذلك العلمي إلى أن المجتمعات الغربية في عدد منها تترك للفرد حرية الاختيار في سن معينة، وربما يختار اللادينية، وهو حر في ذلك، لكن الرأي الذي تفضل به الأستاذ أسعد أظهر أن الأمر غير قابل للتنفيذ في مجتمعاتنا لخلافات في الثقافة ومراحل التطور التي مرت بها مجتمعات الغرب المدينية.
5- الأمر لا يشكل معضلة إلا في مواجهة الحملات التبشيرية أو ما يماثلها لدى كل الأديان، والتي تسعى إلى إكساب اللقطاء والأطفال الدين الذي تعمل لأجله، وإن كان الأمر كذلك ففيه من القسر ما فيه، وفيه من الاعتداء على الحريات ما فيه.. أما إذا كانت آراؤنا سليمة وصحيحة فلنخضع لها حقيقة ونترك للبيئة والمجتمع والتربية أمر التحديد حتى يصبح الطفل رجلاً.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة